الفصل الثانى: الحلقة الثانية

كتبها ميادة مدحت ، في 4 أغسطس 2009 الساعة: 08:32 ص

فى منزل علاء ضابط أمن الدولة .. تخرج انتصار من غرفة النوم وعلى وجهها أقسى آثار الامتعاض والغثيان، تجلس على الأريكة ويلحق بها علاء مترنحا وفى يده كأس من الخمر، وترجوه باكية أن يسلمها الصور التي التقطها لها في المعتقل لكنه يرفض، فتصرخ في وجهه:

- أنت عايز إيه منى؟ مش كفاية لغاية كده فتيات الليل ماليين البلد.. ارحمنى وسيبنى أعيش حياتى..يحك رأسه شعره القصير للغاية ثم يسألها كأنه لم يسمع ما قالته :

- انتى خطيبك فى جماعة 9 مارس؟

- ……………………………

يثيره صمتها فيمسك بذراعها بشده وهو يقول:

- أنا عايزك تبلغينى أول بأول مواعيد الاجتماعات ونص الكلام اللى بيتقال وأسماء كل أساتذة الجامعه من أعضاء الحركة وهل فيهم إخوان وكام واحد؟ أنا سمعت ان فيهم واحد بهائى عايز اعرف عنه كل… تقاطعه صارخة فى وجهه :

- انت عايزنى اشتغل مرشدة لأمن الدوله يا ابن ال… تخرسها لطمة قويه على وجهها ويصرخ فيها وقد احمر وجهه:

- وانتى كنتى من خمس دقايق بتشتغلى ايه فى أودة نومى؟ على الأقل مرشدة أنظف من ..

لم تسمع باقى ما قاله كان بداخلها بركان متفجر من الغضب ليس منه فقط ولكن من نفسها، من خوفها الذى جعلها تأتى إليه بنفسها بدلا من المرة خمسة وعشره وفى النهايه لم يعطها الصور، وراحت تسأل نفسها أين ذهبت شجاعتها هى من كانت تقف فى المظاهرات لتهتف باسم مصر، هى التى كانت تلقى الخطب الحماسية فى الجامعه ضد الخوف والقهر، وفى داخلها تأكدت أن ضعفها هو السبب الذى جعل خوفها يحولها إلى أسيرة وعبده لهذا الحيوان.. وخرجت انتصار مهزومة من منزل علاء تسير على غير هدى وقد جعلتها لحظة الضياع تلتقى بنفسها مجددا وتكتشف الحقيقة المؤلمة : نعم إن من اغتصبها كان علاء الكلب وذلك العسكرى القذر، ولكن من دفعها إلى الاستسلام لهما مرة تلو الأخرى ؟ خوفها؟ ولكن لماذا خافت أن ينشروا صورها معهما أو يستغلوها بأى شكل؟ هل هو خجلها أن يراها الناس عارية؟ أم خوفها من كلام الناس؟ الناس! الناس! هما الناس سبب المصائب التى حلت بها وبهم.. خوفهم ووحشيتهم وجبنهم جعلهم دائما يشجعون القوى ويدهسون الضعيف، جهل الناس وظلمهم يجعلهم يلقون دائما باللوم على المغتصبة ليس على المغتصبين، وسألت نفسها : ترى هل نجح حكم العسكر إلى ذلك الحد فى زرع مخبر داخل كل مواطن؟ هل نجح الجبروت فى جعلنا نقهر بعضنا البعض؟ وتذكرت انتصار عندما كانت فى الثانوية العامة وقامت انتفاضة فلسطين الثانية، لم تر المصريين يتحركون فى حياتها كمثل تلك الأيام حتى أطفال الابتدائى خرجوا إلى الشوارع فى المظاهرات، وقامت مظاهرة فى حوش المدرسة وجاءت زميلتها نور التى كانت تقرأ القرآن فى الإذاعه المدرسية كل صباح ووقفت فى منتصف الحوش وعيونها حبلى بالدمع لتخلع حجابها الأبيض وترسم عليه نجمة زرقاء سداسية الشكل ثم تشعل فيها النار، لم تنس انتصار أبدا كيف خرجت مدرسة البنات فى المرواح فى مظاهرة كبرى لتلتحم بمظاهرة أخرى للشباب فى المدرسة الثانويه للبنين التى كانت بجوارهم، مشهد لم يحدث منذ ثورة 19 ، انتابها الخوف للحظة فلقد كانت حوادث التحرش من قبل مدرسة البنين لا تعد ولا تحصى قبل ذلك اليوم ، ولكنها فوجئت بأنها تسير محاطة بالفتيان ولم يمسسها احد منهم بسوء لقد كانوا يهتفون من أجل الحق، لم يعودوا يشعرون بالكبت حتى يفرغونه فى الأجساد الانثوية الغضة التى تحولت إلى أجساد مشتعلة بثورة على الظلم والعدوان وحناجر تهتف بالحق كحناجر الرجال. كان يوم نزعوا فيه الاغلال فظهر أجمل وأنبل ما فيهم، كانت تشعر أنها فى  مظاهرة للطيور، عرفوا فيها للمرة الاولى ان لهم أجنحة يطيرون بها إلى الشمس دون أن تحرقهم، نظروا يومها إلى السماء واكتشفوا جمالها ورحابتها فلم تعد داخلهم حاجة للنظر إلى الأعضاء التناسلية للآخرين، ولكنها ايضا لم تنس كيف اقتحمت الغربان السود سماء غضبهم المقدس ، كيف ضربوهم بالعصى المكهربة، وكيف حشروا الأولاد فى صناديق ضخمة هى اشبه ما تكون باقفاص القرود ليأخذوهم إلى مكان مجهول..

.. وفى الصباح دخلت الفصل حصة الدين كانت اولى حصص اليوم ، دخلت المعلمة وفى فمها لبانة تتشدق بها ونادت على نور تؤنبها أمام الجميع على خلع حجابها الذى رسمت عليه علم اسرائيل ثم أحرقته، تصرخ فيها :

- انتى مش عارفه ان كده حرام؟ تخلعى حجابك وتمشى مع الشبان من غيره اطلعى بره الفصل ومتحضريش حصتى تانى

.. وجاءت الحصة الثانية ، حصة التربية القومية، تدخل المخبرة عفوا المعلمة لتعطهم درسا فى الأخلاق وكيف ان من اشتركن فى المظاهرة بالامس كن من الساقطات خرجن ليقابلن شباب المدرسة الثانوية للبنين وأن العديد من المساخر ارتكبت وأن بعض الفتيات اختتمن المظاهرة فى شقق مفروشة مع الأولاد، والله يعلم أنها كاذبه والله يعلم أن من اشتركوا من أولاد وبنات قد تحرروا ولو لمرة من قيود الجنس ، فثارت انتصار مما قالته المدرسة عن وجوب حب الرئيس وعن الحكومة اللى طفحانه الدم عشان تأكل بنات فاجرات مثل اللاتى اشتركن فى المظاهرة وعن حب الأهل والمحافظة على كرامتهم ..وطلبت انتصار الكلمة وبدأت توضح الحقيقة فطردتها المعلمة خارج الفصل..

…فى المرواح وجدت الفتيات يضعن الروج خلسة قبل أن يخرجن إلى الشارع، ورأت الفتيان وعدد لا بأس به منهم حليقى الرأس -على الزيرو- وقد خرجوا من أقفاص الحكومة رأتهم يتسكعون أمام المدرسة وفى عيونهم نهم غريب. سكتت أصوات الغضب وارتفعت أصوات ضحك البنات بشكل هستيري والصواريخ والبمب فى يد الولاد ومن خلفها جاء أحد الفتيان ووضع يده فى مكان حساس من جسدها ووقتها عرفت أنها لن تطير مرة أخرى أبدا ..

.. ومرت سنوات وعرفت انتصار أن معلمة الدين قد تم سجنها بعد أن سرقت مرتبات زملائها من خزنة المدرسة التى كانت فى عهدة صديقتها السكرتيرة، وأن معلمة التربية القومية التى أعطتهن درسا فى الأخلاق قد ضبطها زوجها عارية فى أحضان رجل آخر وسمعت انه قد رفع قضية زنا عليها، ولكن الاخبار تسربت فى المدرسة انه قد سجن فى قضية اتجار بالمخدرات وان المعلمة قد تزوجت من الرجل الآخر الذي كان ضابط شرطة فى مكتب مكافحة المخدرات!!

.. وعندها تأكدت أن مصر فى خطر، وعاهدت نفسها على ألا تطفىء جذوة غضبها ، وألا تتخلى عن اجنحتها مهما امتلأت سماء البلد بالبوم والغربان..

واتخذت انتصار قرارها بالاعتراف لخطيبها بكل ما حدث لها فى الاحتجاز وقررت عدم الذهاب إلى علاء مرة أخرى وليحدث ما يحدث

 

 

2006-09-02

جلس بعض المعتقلين فى الحوش يتناقشون حول وفاة نجيب محفوظ التى حدثت منذ أربعة أيام  فى 31/8/2006 كان وائل أكثرهم تأثرا فقد كان يرى أن نجيب محفوظ هو الإبن البار لتاريخ الليبرالية المصرية، ووافقه عادل على هذا الرأى وإن كان يرى أن لنجيب محفوظ اهتماما بالبسطاء وعلاقات جيدة باليسار، وهنا يتخل شوقى اليسارى المتشدد ليقول:

- انا كان عندى يدوا نوبل لواحد زى أحمد فؤاد نجم ولا يوسف ادريس ولا حتى نجيب سرور أحسن مليون مرة من سى نجيب محفوظ ده

ويسأل نمنم فى حيرة:

-انتوا مهتمين بالراجل ده ليه كده، هو يعنى مدوبش هدوم الفرح ده حتى كان عنده أكتر من تسعين سنه؟

ويجيبه سامى وهو يعبث بلحيته الخفيفة:

- أنا مش عارف سر حزنكم على هذا الزنديق.. ده كان لابد أن يستتاب قبل موته عموما أهو راح فى داهية

ويقطع حديثهم صوت أحد العساكر:

- سامى عبد الصادق ..  زيارة

ويقوم سامى إلى زائريه تاركا خلفه علامات استفهام من الحميع لماذا وكيف يكون هو الوحيد المسموح له بالزيارة بالرغم من أنه اخوان؟ وفى مكتب نائب مدير المعتقل يدخل سامى ليجد محاميه وأحد كبار رجال الاعمال من الاخوان وهو يسلم الضابط ظرفا مكتظا ليخرج ويتركهم بمفردهم ويميل سامى على محاميه هامسا:

- أنا تعبت أوى يا أستاذ منتصر أرجوك شوفلى صرفة دول بيرمولنا الأكل ع الأرض من غير أطباق ده غير التعذيب والإهانة

فيطمأنه المحامى:

- متخافش يا سامى احنا قالبين الدنيا بره ومش هنسكت غير لما نطلعك انت وزمايلك

عموما ماهيتك ماشية وبتوصل لأهلك فى المنصورة بانتظام

وقال له رجل الأعمال:

- خد يا سامى القرشين دول هينفعوك هنا وعايزك تشوف مذاكرتك الامتحانات قربت يا دكتور..قوللى العيال بتوع الطائفة المنصورة اللى قبضوا عليهم من كام شهر انا عرفت انهم هنا ايه رأيك فيهم؟

- دول لا طائفة ولا منصورة الظاهر انهم اتاخدوا غلط بس انا اتكلمت معاهم وواضح انهم من المحبين

- طب عال عموما حاول تقربلهم وتخليهم مش بس محبين لأ وعاملين كمان ضمهم لصفوفنا .. احنا هنحتاجهم بعدين

وتنتهى الزيارة لينفرد سامى بنفسه ولم يدر لماذا عاوده هاجس قديم كان يلح على ذهنه أن حسن المسئول عن تفجيرات الأزهر كان وراءه الإخوان لقد قابله مرة فى أحد الاجتماعات بالقاهرة ترى فيم سيحتاجون أعضاء الطايفة المنصورة؟ وترددت فى أذنيه آخر كلمات الرجل المهم فى الزيارة:

- هييجى ناس يفتشوا ويصوروكو عايزك تقول ان الاوضاع فى المعتقل تمام فاهم؟

.. وحتى لو مش فاهم سينفذ ما دام مرتبه لم ينقطع يبقى خلاص.. مئتى جنيه يأخدهم أول كل شهر مبلغ متواضع؟ ربما لكنه على الأقل أكبر من إعانة البطالة التى وعد بها أيمن نور فى برنامجه الانتخابي بل إنها حتى أكبر من مرتبات كثير من موظفى الحكومة القيادات يسمونها مساعدة ولكنه كان يعلم علم اليقين ان هذا المبلغ ما هو الا مرتب نظير خدماته..وسأل نفسه : يا ترى مين الزوار اللى هييجوا يصوروا؟

 

انتشرت الأخبار فى المعتقل وجمع عبد الجبار المعتقلين ليبلغهم أن التليفزيون الأمريكى سيقوم بتصوير وبث وقائع حملة تفتيش ستقوم بها زارة العدل على المعتقل وأن الجميع لابد أن يكونوا على مستوى المسئوليه وألا يشوهوا سمعة مصر أمام الأجانب ثم نظر لهم نظرة تحمل الكثير من الوعيد والتهديد وقال :

-مشاكلنا ن..ن..نحلها ف.. ف..فى الداخل. وكان المعتقلون يكتمون ضحكهم بصعوبه على مشهد عبد الجبار وهو يتقمص شخصية المسؤول الحكومى ويعرفهم معنى الوطنية وعلى تهتهته فى الكلام التى تتعارض مع نظراته الحادة وجسده الضخم ورد عليه وائل:

- اسمع يا عسكرى انت اللجنه بتاعة بكره جايه تحقق فى واقعة موت شاب هنا فى المعتقل وهتك عرض آخر واحنا مش هنخبى حاجه وبعدين ازاى نبقى احنا طالبينهم ييجوا يحققوا وبعدين لما ييجوا نقولهم مفيش حاجه كنا بنضحك عليهم مثلا؟

ورفع عبد الجبار بندقيته فى غضب ليضرب بها الصحفى الليبرالى ولكن أوقفته صيحه من محمد بيه: عندك يا زفت ويقف بينه وبين وائل هاتفا : حاسب يا ابن الجزمة يا غبى.. ثم ينظر لوائل مبتسما ابتسامة صفراء: انا آسف يا أستاذ وائل لا مؤاخذه أصله طور بعيد عنك

يبتسم وائل فى سخرية  بينما يواصل الضابط:

- احنا بنعتذر عن أى خطأ وقع على احد فيكم ونوعدكم المعاملة هتتغير وانتوا شوفتوا امبارح والنهارده كنا فى غاية الذوق والأكل اتغير..

فهتف عادل فى سخرية:

- اه فعلا بقى فى اطباق بعد ما كان بيترمى على الأرض واحنا نلحس..ونظر اليه الضابط نظرة وعيد وكأنه يقول: حسابنا بعدين

ويدخل المعتقلون الى العنابر بعد حالة هرج ومرج وبعد ان اعلنوا اصرارهم على فضح المعتقل أمام  اللجنه وامام القناة الامريكية التى ستصور

ويجتمع ضباط المعتقل مع مندوب الداخلية لمناقشة كيفية لم هؤلاء المعتقلين على ما اللجنة تمشى ومعاها القناة الامريكية

وفى الصباح تم خلط مياة الشرب والعصائر ببعض حبوب الهلوسه والعقاقير التى تسلب المرء إرادته ثم تم توزيعها على المعتقلين وجاءت اللجنه فى الصباح ومعهم فريق تصوير أحد البرامج فى قناة أمريكية و بيتر عونى مدير مكتب القناة فى القاهرة وقام مدير المعتقل بمصاحبتهم فى الجولة التى بدأت بزنزانة انفرادية تم تنظيفها ووضع فراش ولمبه حمرا وفتح الباب ليفاجأ الزوار بالمعتقل نمنم فى حالة سكر بين ومعه فتاة جميلة فى وضع مخل ورفع أحد وكلاء النيابه صوته صائحا: ايه القرف ده .. وارتبك مدير المعتقل ثم استجمع شتات نفسه مبررا: يا فندم دى زنزانة للخلوة الشرعية بين المعتقلين وزوجاتهم احنا فى المستقبل بنسعى يكونوا تلاته او اربعه عشان يكفوا خصوصا الموضوع د ه شغال دلوقت بالدور وبيبقى عليه خناقات بين المعتقلين

واندهش بيتر وسأله : لكن القانون المصرى لا ينص على إعطاء السجين حق الخلوة الشرعية فما بالكم بالمعتقل؟؟

ورد عليه المدير: نحن لا نؤمن بالبيروقراطية واحنا عاملين يوم فى الأسبوع للزيارات العائلية  والخلوات اللى زى كده

وهنا صاحت المذيعة الامريكية

- واو اتس فانتاستيك ..والتفت النمنم اليهم صارخا :

- ايه ده بقى انتوا مش قلتوا خد راحتك يا نمنم والمزة دى بتاعتك النهاردة كله؟ هاخد راحتى ازاى وانتوا واقفين تتفرجوا كده زى المحاريم؟

زغده احد الضباط الشباب وهمس له: اسكت وخليك فى اللى ف ايدك فضحتنا الله يفضحك

 و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الأخير

كتبها ميادة مدحت ، في 3 أغسطس 2009 الساعة: 06:46 ص

الفصل الأخير

.. مرت سنوات على انتصار وعلى مصر .. تم فيها بيع جميع البنوك الوطنية واشتدت شوكة الاخوان المسلمين وتعددت حوادث الاختفاء القسرى للمعارضين .. تمت محاكمة خمسة رؤساء تحرير لجرائد حزبية ومستقلة وتم الزج بأحدهم الى معتقل الواحات بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم . وفى ليمان طرة وفى ظروف غامضة تم قتل أحد زعماء المعارضة وأحد المرشحين لأول انتخابات رئاسية فى مصر وأعلنت وزارة الداخلية انتحاره وذلك بعد القبض عليه للمرة الثانية فى قضية تحرش بأنثى..وفى عام واحد قام المستثمرين الأجانب بتشريد نصف مليون موظف وعامل فى المصانع والشركات وقطاعى الصحة والتعليم وفى نفس العام ولدت انتصار طفلا ميتا وفى الحقيقة لم تكن تعلم أيهما والده زوجها أم علاء.. و خصخصت الدولة كل شىء من البنوك إلى وسائل المواصلات ولم يبق فى يدها سوى الجيش والشرطة ووزارة الاعلام التى استغلها نجل الرئيس فى تقديم برنامج يومى يشرح فيه خطته للخروج من الازمة الاقتصادية الطاحنة التى تزيد يوما بعد يوم ويطالب الموطنين بالدعاء لوالده بالشفاء العاجل ولوالدته بالرحمة.. وكان التلفزيون المصرى هو آخر المحطات التى أذاعت خبر اجتياح الجيوش الامريكية لدمشق وإعدام الرئيس السورى ، فقد كان منشغلا بإذاعة بيانات لجنة السياسات وتغطية الحرب الأهلية بين غزة والضفة فى أراضى الحكم الذاتى للعرب فى إسرائيل وعرض الحلقة الثلاثون بعد الألف من مسلسل أجنبى فشل فى الدولة التى أنتجته فشلا ذريعا.

وفى خضم هذه الأحداث الجسام زادت الحركات الاحتجاجية والإضرابات التى عمت مصر من الاسكندرية إلى أسوان واستشرى الفساد حتى طالب بعض النواب بإلغاء عقوبة الرشوة من قانون العقوبات.. وبين كل هذه الأحداث تاهت انتصار فى تعاستها الزوجية مع زوج يعانى من انفصام فى الشخصية فهو خارج المنزل مناضل تقدمى وداخل المنزل حيوان تحكمه الغريزة لا مبالاة لديه بمشاعرها بل حتى بوجودها..ثم اكتشفت خيانته لها مع احدى فتيات الاعلانات مما فجر داخلها غضبا لا حدود له وجدت نفسها بدون وعى تتصل بعلاء وتذهب إليه ..وفتح لها باب شقته وعلى وجهه ابتسامة ظفر استهتار فى آن واحد وانتابها نفس الشعور بالخوف والغثيان وهى تنظر إلى وجهه الأبيض اللامع وشعره المحلوق ليظهر شديد القصر .. كان كل شىء فيه يلمع ولم تكن قسوته قسوة حيوانات ولا بدا لها يوما أنه وحش، كانت قسوته من نوع مختلف كقسوة آله حديدية براقة ولامعه تدهس من أمامها بلا رحمة وبلا حتى أى مظاهر استمتاع بسحق من أمامه.  خانت انتصار زوجها معه وفى الفراش كتبت تقريرا فى زوجها أودى به الى المعتقل مع ثلاثة من زملائه فى حركة 9 مارس ورفعت ضده دعوى تطليق وقبل أن تحصل على الطلاق تعرفت على وائل الصحفى الليبرالى الشاب الذى خرج لتوه من المعتقل والغريب أنها تعرفت عليه جلسة محاكمة زوجها وزملائه وكان هو حاضرا لمساندة أساتذة الجامعة المتهمين أما هى فكانت ذاهبة للتشفى فى زوجها.. ووقعت انتصار فى حب وائل بعدما ساندها فى أزمتها بعد الطلاق ووفاة والدها وفى احد لقاءاتهما صارحها وائل بحبه ورغبته فى الزواج منها حيث نظر إلى عينيها بحب وقال لها:

- ليه يا حبيبتى ما بينا ايما سفر ده البعد ذنب كبير لا يغتفر .. فضحكت انتصار بدلال :

- صلاح جاهين؟

- لا.. ده  قلبى

يضحكان سويا وفجأة يباغتها:

- تقبلى تتجوزينى؟ وارتعدت انتصار عندما سمعت سؤاله ولم ندر لم هل هو خوفها من تكرار التجربة؟ أم شعورها بأنها لا تستحق رجلا فى احترام وائل وهمهمت بصوت مرتجف:

- أرجوك اصبر على أنا  لسه خارجة من تجربة مريرة .. وصبر وائل عام واثنان بلا فائدة لتقرر فجأة تركه وقد فاجأها هذا القرار كما فاجأه ولم تجد لنفسها مبررا سوى انه لم يمتهن كرامتها نعم لقد تغيرت انتصار فقد جعلتها المهانة التى تجرعتها لسنوات شخصا مريضا تستعذب عذابها تستمتع بسباب علاء لها أثناء لقائهما ومعاملته العنيفة لها .. صارت تجد لذة غامضة فى العذاب الذى تشعر فى قرارة نفسها أنها تستحقه..

وفى أحد اللقاءات الساخنة صارحها علاء بانضمامه الى تنظيم من ضباط الجيش والشرطة يسعى الى قلب نظام الحكم فنظرت له بذهول صامت ليقول لها:

- مستغربة ليه؟ .. همت بقول شىء ما فأجابها قبل ان تسأل :

- أيوه .. هى الجماعة اللى بتوزع منشورات فى مصر من سنتين

- بس ازاى؟ أنت ظابط أمن دولة؟

- أيوه أنا أمن دولة عارفة يعنى ايه ضابط أمن دولة ؟ نتعب ونشقى نفقد كل متعة فى الحياة وتطاردنا الكوابيس بالليل باللى بنعمله بالنهار لحد ما ماتت أرواحنا وبقينا وحوش وكل ده عشان إيه؟ عشان البيه الرقيع المدلل يتولى مقاليد الحكم بعد أبوه؟ طيب ايه اللى بيميزه عنى؟ وامتى تيجى فرصتى بعد عشرين سنة؟ وهابقى ايه فى الآخر لواء؟ وزير؟ الانقلاب ده لو نجح ممكن أوى أبقى وزير من بكره ومش بعيد أبقى رئيس مرة واحدة.

تتسع حدقتا انتصار فى ذهول غير مصدقة لما تسمعه فيضحك علاء ضحكته المعدنية ويقول:

- فاكرة الصور اللى تم ارسالها للصحافة وكليبات التعذيب التى تسربت منذ سنوات عن تجاوزات الامن وكانت تصل احيانا بتوقيع عسكرى الدرك؟ نعم احنا اللى سربناها الصحافة والمدونات.. مستغربيش كده عشان كل ده ضرب فى النظام وتجييش لمشاعر الناس عشان يساندونا لما نيجى.. ثم يقول فى لهجة استعراضية وكأنه يقف على خشبة  المسرح : تخيلى ضباط ضد التعذيب ضباط يواجهون الضباط والنظام عشان الناس.. تخيلى رد فعل الشعب ؟ دول مش هايحبونا بس دول هايعملولنا تماثيل.. وتلمع عينيه ببريق مخيف وخيل لها للحظة انه قد فقد قواه العقلية وتسأله بحذر:

- مش شايف انها غريبة جدا أنك تكشف لى معلومات بالخطورة دى .. انت؟ …….. انت ناوى تقتلنى مش كده؟ يبتسم علاء فى جزل ثم يقول:

- لا .. مش هاقتلك.. أنا هاتجوزك

 

استيقظ عبد الجبار من نومه بصعوبة شديدة فقد نام بعد الرابعة فجرا وذلك بسبب كابوس أرقه فى أول الليل كان يتكرر دائما منذ حادث مقتل والده وكان عبد الجبار قد نال ترقية استثنائية والتحق بأمن الدولة بمساعدة علاء بك الذى وعده بترقيته ضابطا اذا نجحت الحركة المباركة فى الوصول الى الحكم .. استند عبد الجبار الى جدار الزنزانة التى كان مقيما فيها داخل ليمان طرة وقد كان حارسا عليها وسجانا لمن داخلها يوما ما وهو يتذكر كيف ان الباشا الكبير خال علاء بك والذى كان يشغل منصبا رفيعا فى الحكومة لسنوات طويلة كان أيضا يحضر اجتماعات حركة ضباط من أجل التغيير ويباركها ولم ينس أبدا الحوار الذى دار بين البك الكبير وبين الرائد ناجى حين قال الاول:

- صدقنى يا سيادة الرائد أن النظام يوشك على السقوط وأنا مش عايز أسقط وعايزك تتأكد أننى أدعمكم بقوة ومش من المعقول ولا المنطقى أن أشى بكم لأى سبب كان ويكفى أن يبقالكم  ظهر قوي زيى فى الحكومة .. وينظر له ناجى باستخفاف ملوحا بيديه قائلا:

- كنت.. كنت قوي يا معالى الوزير بس حاليا  الاضواء انحسرت عنك و النفوذ راح من ايدك

- ممكن يكون عندك حق أن الاضواء انحسرت عنى لكن النفوذ لسه فى ايدى وهاتشوف.. يا سيادة الرائد أنا كنت وزير وأنت لسه عيل وفضلت  وزير رغم تعاقب ثلاثة رؤساء ويضع يديه على كتف ناجى هامسا بصوت يشبه الفحيح:

- أنا  كنت أقوى من الرؤساء وأكثر قدرة على البقاء فى منصبى

- لأنك قوى؟ ولا لأنك بتتلون زى الحرباية باللون اللى يناسب كل عهد من الثلاثة؟

لم يسمع عبد الجبار باقى الحديث لكنه كان مذهولا مما سمعه يومها وغير قادر على استيعاب أكثر من نصف الكلام لكن الحقيقة الوحيدة التى كان يدركها أنه فى طريقه لمزيد من القوة والجبروت طالما يسير فى ركب علاء بك فهو رجل شديد وقوى انه أقوى بكثير من شيخ الغفر .. شيخ الغفر الذى انتقم منه عبد الجبار فقد تزوج ابنته الدميمة بعد طلاقها وأذاقها الويلات كان يتركها كالكم المهمل فى القرية ولا يزورها بالشهور.. لم يذكر أنه لمسها يوما الا ليضربها .. وكان زواجه بها هو أول خطوات الانتقام من أبى شناف ذلك المجرم الذى قتل أبيه وأمه وأخذ أرضه بالبخس. لم ينس كيف انه عاد الى البلد اجازة لمدة اسبوع نجح خلالها فى تفتيت عصابة أبى شناف فهذا متهرب من التجنيد فيبلغ عنه وذلك عليه ثأر فيدل أهل الثأر عليه هكذا حتى صار شيخ الغفر العجوز وحيدا ومشلولا كان لا يحلو له ضرب زوجته الدميمة ومعايرتها بخلقتها التى تشبه وجه القرد الا امام والدها.. ثم ألقى بالسفاح العجوز فى مضيفة العمدة لكنه لم يطق فكرة بعده عن سيطرته فأعاده بعد شهرين وهو شبه جثة ليدخل عليه ليلا كلما كان فى اجازة ويوسعه ضربا بالسوط وبالحذاء .. كم ليلة باتتها ابنة ابو شناف مقيدة وعارية فى شتاء طوبة وسط المواشى فى الزريبة.. لم يترك وسيلة لتعذيب عدوه القديم وابنته الا واستخدمها وفى ليلة شديدة البرودة مات أبو شناف وقبل أن تصرخ على والدها أجبر عبد الجبار زوجته على التنازل له -فى عقود جهزها له علاء بك- عن كل ما تملكه من طين ومواشى حتى الدار. مازال يذكر كيف كان يحرقها بماء النار ثم يكتم الجرح بالملح لتصرخ المسكينة وتبصم على عقد وهكذا حتى جردها مما تملك ثم ألقاها بثوبها المتهالك على قارعة الطريق تتكفف الناس .. وعاد عبد الجبار الى القاهرة مرفوع الرأس بداخله شعور بالارتواء المؤلم وكأنه كان ظمآن لألف سنه ووجد نفسه فجأة فى حضن النيل فشرب نصفه..ولكنه فوجىء بسكين ينغرس فى بطنه ويطالب بنصيبه من الماء كان ذلك علاء بك يطالب بنصيبه من التركه والاطيان لم ينس عبد الجبار الجشع الذى طل من عينى علاء وهو يقول:

- عشرين فدان يا عسكرى؟ وخمسين راس مواشى؟ انت مش شايف ان الوليمة كبيرة عليك لوحدك؟ وبعدين متنساش انى انا اللى جهزت لك العقود وانا اللى دليتك على الطريق اللى تاخد بيه حقك

انتفض عبد الجبار غضبا وخوفا فى آن واحد وقال بصوت مقهور ومبحوح:

- طلباتك يا علاء بيه؟. وضع علاء يده على كتف عبد الجبار قائلا:

- شوف يا سيدى أنا مش من هواة المواشى وهاسيبلك الدار كمان.. ثم مال على العسكرى الذى تحول وجهه إلى اللون الأزرق قائلا:

- أنا عايز الأرض

وأسقط فى يد عبد الجبار .. صمت لمدة لا يذكرها كل ما يذكره هو أنه صرخ فجأة فى وجه علاء ولأول مرة منذ زمن يستطيع عبد الجبار نطق جملة كاملة بدون تلعثم :

- إلا الأرض يا علاء بك

اتسعت عينا علاء فى ذهول ثم صرخ فى وجه عبد الجبار:

- نعم يا روح أمك؟ ده لولاى ما كنتش خدت اللى خدته يا غبى

- دى أرض دفعت ثمنها غالي.. دفعت فيها عمرى كله أنا ممكن أراضيك يا باشا لكن تأخذ الارض كلها ده بعينك

لم يدر بعدها عبد الجبار من أين يأتيه الضرب لكنه خرج من مكتب علاء بك وجسده أزرق اللون من آثار الركلات والضرب بكعب المسدس الميرى وذهب الى عنبر النوم متورما ولم يجرؤ أحد العساكر على الاقتراب منه أو سؤاله عن سبب ما حدث ودخل حسن العسكرى الفلاح الذى كان مبهورا بقوة عبد الجبار وقربه من الباشا كان معه كوبا من الشاى قدمه لعبد الجبار الذى احتساه ثم غاب فى غفوة وأفاق على آذان الفجر لم يكن حسن موجودا فى عنبر النوم ولم يكن سلاحه الميرى موجودا أيضا .. تفاصيل كثيرة مرت فى ذهن عبد الجبار منذ محاكمته عسكريا لضياع سلاحه الميرى فطرده من الخدمة ثم اختطافه من الشارع والزج به فى زنزانة الحبس الانفرادى فى ليمان طرة.. لقد كافح كثيرا بل ووضع يده فى يد قاتل أبيه وأمه حتى يصير من الغفر ثم صار من العسكر وفى اللحظة التى ظن فيها أنه بلغ مراده أخيرا وملك الدنيا ها هو الان ملقى فى زنزانة مظلمة مجردا من شرائطه ومن حلته الميرى

وأشرقت الشمس منقبضة القلب فى ذلك اليوم وكانها كانت تشعر بحجم الكارثة الموشكة على الوقوع كانت مصر قد شهدت خمسة تفجيرات كبرى فى القاهرة وشرم الشيخ وأسوان وانتشرت أعمال البلطجة الجماعية المنظمة وصار المواطن العادى لا يجد حماية الا لو كان اخوان سواء بالتنظيم أو بالتعاطف أو أمن إما بحكم الرتبة أو بالعمل لصالح جهة أمنية ما سواء أمن دولة أو أمن قومى أو حتى فى حمى فلان بك أو علان باشا..فى ذلك الصباح تم الاعلان عن وفاة رئيس الجمهورية وتم تحديد موعدا لاقامة الانتخابات الرئاسية بعد أربعين يوما وكانت الشروط اللازم توافرها فى المرشحين و التى نص عليها الدستور المصرى بعد التعديلات التى جرت عليه لا تنطبق إلا على أربعة أشخاص وهم: ابن الرئيس الراحل والذى كان يحمل الجنسية الانجليزية بجوار جنسيته المصرية ورجل أعمال ملياردير و المرشد العام للاخوان المسلمين الذى نجح فى انتخابات برلمانية تم وصفها بالاعجوبة وقتل فيها مئتين وخمسين من كوادر الاخوان والمتحمسين لهم أما الرابع فقد كان مرشحا شابا والده من أقباط المهجر وأمه من يهود اسرائيل..

 

وقف بيتر عونى مدير مكتب احدى الفضائيات أمام الكاميرا موجها خطابه للمشاهدين قائلا:

- ان الاسابيع القليلة القادمة هى أخطر مرحلة تمر بها مصر .. ترى هل يصمد هذا الوطن الذى أشرق فيه فجر الضمير أم أن شمس مصر ستغرب فى بحور الحرب الاهلية التى شبت فى الشوارع والحارات حتى فى مقار الاحزاب السياسية ؟ لقد تحول الصراع فى الماراثون الرئاسى الى قتال فى بعض الاحيان ومن المعروف أن رجل الاعمال الشهير قد تراجع عن الترشح لمنصب الرئيس لصالح صديقه ابن الرئيس الراحل الذى يلقى مساندة الحزب الحاكم ورجال الاعمال ورجال الشرطة .. بينما تقف قطاعات عريضة من الشعب مع مرشد الاخوان بينما لم يقل الجيش كلمته بعد وما يزال موقف الجيش غير واضحا حتى هذه اللحظة وان كان وزير الدفاع قد صرح أن الجيش موقفه محايد حتى هذه اللحظة ولكنه سيتدخل ان تم تهديد النظام والحقيقة اننى لا ادرك متى سيشعر الجيش بالخطر والشوارع تكاد تغرق فى بحور الدم؟ أما عن المرشح الرابع فهو مازال شديد الغموض ولم يعلن عن برنامج انتخابى محدد وان كان يلقى قبولا فى أوساط الاقباط ويهود مستوطنة أبى حصيرة الذين بلغ عددهم طبقا لآخر الاحصاءات ألفى يهودى. ترى من منهم سيحكم مصر؟

وتنزل التترات لتعلن نهاية الحلقة وينزع بيتر السماعة من أذنه فى نفس اللحظة التى يقتحم فيها الاستديو خمسة رجال مسلحين يرتدون الملابس الميرى ويتقدمهم ناجى ضابط الجيش

فيسألهم بيتر مندهشا:

- ايه ده ؟

ويجيبه الضابط بابتسامه عريضة:

-  الجيش قال كلمته

 

كانت جماعة ضباط من أجل التغيير والتى انضم لها مؤخرا وزير الدفاع نفسه قد استولت على كل استديوهات التلفزيون المصرى ومعظم مكاتب الفضائيات العربيية والاجنبية فى مصر وتولت العناصر القليلة التى تنتمى الى الشرطة وبمساعدة ألوية من االجيش القاء القبض على كبار رجال الداخلية والجيش وتصفية بعضهم جسديا كما استولوا على الكثير من أقسام الشرطة وأحكموا قبضتهم على العساكر والاسلحة بل واستعانوا ببعض المحتجزين فى هذه الاقسام بحجة انهم جاؤوا لانقاذهم من التعذيب والامتهان وكان النمنم ذلك النشال السابق محتجز فى قسم الشرطة بتهمة نشل محفظة أمين شرطة وخرج من الحجز سعيدا بالثورة وهم بالتقاط سلاح من السلاحليك لينضم للضباط الاحرار كما سماهم عندما اصطدمت عينه بعلاء بك ضابط أمن الدولة الفاسد الذى حقق معه والصق به تهمة التظاهر التى ألقت به فى ليمان طرة وقتها عادت الذاكرة بالنمنم الى المعتقل والى وائل الليبرالى الذى قال له يوما ردا على امكانية ان يحكم الجيش ويصلح الحال مثلما فعل الضباط الاحرار وقتها ضحك الاستاذ وائل ثم قال للنمنم:

- الجيش من الممكن أن يحمى ديموقراطية موجودة بالفعل لكنه لا يصنع ديموقراطية ولا يمارسها .. وقتها لم يفهم النمنم حرفا واحدا مما قاله أستاذه ولكن وجود علاء أمامه لم يريحه فآثر الفرار الى منزله فى الدويقه والاختباء هناك ولكنه لم يكد يصل الى هناك حتى فوجىء بعدم وجود منزله ولا عشرين منزلا مجاورين له وعندما رأى الكتلة الصخرية الضخمة تحتل مكان البيوت المختفية حتى علم أن ما حدث فى 2008 قد حدث مرة أخرى وتذكر خيبة الجيش وقتها وكيف ان الاهالى كانوا يحفرون الانقاض بأظافرهم بحثا عن ذويهم.. ولكن هذه المرة لم يكن هناك أهالى ولا خيام وهام نمنم على وجهه فى شوارع المحروسة وهو يسب ويضحك بهستيريا:

- أموت واعرف مين ابن المتضايقة اللى سماها محروسة .. دى موكوسة .. مهروسة..

وقادته قدماه الى منزل وائل زميل المعتقل المثقف دق جرس الباب فتح له وائل الذى كانت عيناه مغرورقتان بالدموع وخلفه شاشة تلفاز تعرض مشاهد القتال فى الشوارع ألقى نمنم نفسه فى أحضان وائل وقال بصوت تخنقه الدموع:

-       مين اللى سماها محروسة يا أستاذ ؟ أموت واشوفه ابن الوسخة..وانخرطا فى البكاء سويا..

 

..خرج بيتر من الاستوديو والذهول يعتريه ، لطالما كان رأيه أن النتيجة الطبيعية لما حدث فى مصر طيلة السنوات الماضية هو انقلاب عسكرى لنظام الحكم أو ثورة اخوانية لكن أن تتوقع شيئا غير أن تراه بعينك، وما حدث على أرض الواقع لم يكن مجرد انقلاب بل كان انقلابا دمويا عنيفا مصحوبا بحركة اعدام لمعظم رموز الحكم فى العهد السابق، انقلاب لم يأت إلا بعد ثورة للجياع اندلعت فى شوارع مصر كانت ثورة أبشع فى ضراوتها من الثورة الفرنسية .. وفجأة انتزع بيتر من أفكاره انتزاعا على جذع شجرة يلقى فى طريق سيارته ويجبره على التوقف. وترجل بيتر ليجد نفسه محاصرا من مجموعة ممن كان يسميهم قبلا بالجياع كانت رؤيتهم عن قرب ونظرة الجوع والحقد تتملكهم شىء مرعب لمن عاش عمره فى أمريكا فى رفاهية ورخاء .. كانت أظافرهم متسخة وطويلة وشعورهم غير مصففة ومن بينهم كانت امرأة لم يتبين جمالها من قبحها من ذلك التراب الذى غطى وجهها .. اقترب أكثرهم ضخامة من بيتر وأمسك بياقة قميصه الذى بلله عرق الخوف والحر وهزه بعنف قائلا:

-   الأمور ابن مين فى البلد بقى؟ ارتجف بيتر وازدرد لعابه فى بطء دون أن يستطيع الرد وهاجمه آخر وراح يفتش فى جيوبه حتى وجد محفظته فأخذها وراح يعد النقود التى بها وهجم عليه جائع ثالث وهو يلهث:

-       ده لابس سلسله دهب

وانتزع السلسه وراح ينظر لها فى سعاده بينما صرخت المرأة :

-       إيه ده ؟ ده صليب.. الجدع مسيحى

اعتصره الضخم فى قبضته قائلا:

-       انت وقعت ولا الهوى رماك.. والتفت ناظرا إلى من حوله :

-       تلاقيه ابن ساويرس ولا لكح .. ثم نظر إلى بيتر متوعدا:

-       ده انت وقعة أمك سودة

وانهار بيتر باكيا :

-       لأ .. أرجوك شوف انا معايا كريديت كارد وخدوا العربية ..وخلع الساعة  قائلا:

-       والساعة دى تمنها خمس تلاف جنيه خدوها مش عايزها بس سيبونى أروح..

وضحكت المرأة ثم اقتربت منه قائلة:

-       والنبى حلو واسمرانى .. ثم اقتربت منه أكثر هامسة:

-       ما تسلم واتجوزك يا عسل

وانهار بيتر على ركبتيه غير مصدق لما يحدث عندما انقضت عليه المرأة تقبله فضربها الضخم ثم استدار الى بيتر وأوسعه ضربا بمشاركة الآخرين حتى طرحوه أرضا بين الوعى والإغماء وأخذوا السيارة وفروا بها بعيدا.. وظل بيتر يرتجف من الألم والصدمة ولم يدر كم من الوقت مضى عليه وهو فى هذه الحاله حتى استطاع أن يستجمع قواه وينهض ليكتشف أن وسيلة المواصلات الوحيدة المتاحة أمامه حتى المنزل هى قدميه وكان الاكتشاف فى حد ذاته مرعبا ولكن لم يكن أمامه اختيارات وبدأ الرحلة التى شاهد فيها العجائب ، جثث فى الشارع فاحت رائحتها دون أن تجد من يدفنها ، شعارات ضد ابن الرئيس وضد الحكم والحزب الحاكم على الجدران، منشورات ملقاة على قارعة الطريق تدعو الناس للتوحد خلف راية الإخوان ، ودبابات تسر فى الشوارع بدلا من السيارات وأوتوبيسات النقل العام، مصاحف ممزقة وملقاه على الأرض وراهبة مقتولة ونصفها السفلى ممزق بكل ما تحمله الكلمة من معنى وفى منتصف الطريق انتابته حالة من الرعب عندما رأى مجموعه من الملتحين ذوى الجلاليب البيضاء يقتربون من راهبتين وقفتا تنتحبان جوار جثة زميلتهم ، فقفز إلى صندوق كبير للقمامة كان فارغا حيث نبشه الجياع وأخرجوا كل ما فيه وأخرج عينيه ليراقب ما سيحدث ورسم صليبا على وجهه وصدره ودعا الله ودعا الله أن يسامحه لأنه لن يساعد هاتين الراهبتين ولكنه فوجىء بهما تخرجان مسدسان وتطلقان الرصاص على الرجال ذوى الجلاليب البيضاء.. كان ما يراه ضربا من الجنون لم يصدق عيناه لم يصدق كل ما سمعه من قبل عن التعصب والفتنة فى مصر، فقط كان يصدق إن كانت الضحية من الأقباط، فقط كان يصدق عندما يكون الجانى من الارهابيين الاسلاميين. عندما جاء الى مصر بصفة شبه دائمة للعمل والإقامة جاء بحبه للبلد وإيمانه أن الأقباط مضطهدون فيها وبأنه نصف خواجه وهو ما يجعله مميزا عمن يعيشون فى مصر من المسلمين أو حتى من أتباع المسيح وظل قرابة نصف الساعة مختبئا فى صندوق القمامة وعندما شعر بهدوء نسبى فى الشارع قفز إلى الخارج وراح يعدو بكل قوته فى اتجاه منزله فى المهندسين وعندما وصل اندفع إلى المصعد وبمجرد أن أغلق باب المصعد انهمر فى البكاء وتوقف المصعد وبمجرد أن خرج بيتر منه اصطدمت عيناه بباب شقته وقد انفتح على آخره واصطفت بعض أغراضه فى كراتين مفتوحه وتوجه ببطء نحو الشقه والخوف يعتريه وقد تيقن أن ثمة من اقتحم شقته وفى نفسه قال :

-       مش مهم ياخدوا اللى ياخدوه المهم يسيبوا السرير

وسمع صوت البواب فاطمأن وخطر له ان البواب قد طرد المقتحمين ودخل الشقه ليجد زوجة البواب تمسك فى يدها اليمنى مكواة وفى اليسرى خلاطا وراحت تنادى على زوجها :

-       متنساش الانسلال الدهب أبو قلوب والمادالية الحلوة دى الالماظ والا ما ادرى البلاتينه

وصرخ بيتر :

-       انتو بتعملوا ايه يا حيوانات؟

وصرخت زوجة البواب ليأتى زوجها وفى عينيه نظرة تفيض كرها واستهزاءا فى ذات الوقت:

-       انت شرفت يا خواجه؟؟

أشار بيتر بيديه إلى الباب :

-       امشى اطلع بره انت والحيوانة دى

-       نطلع بره؟ نروح فين ؟ دى بلدنا ..انت اللى تطلع بره يا مستر بيطر

وانقض عليه بيتر ولكمه فى أنفه صارخا :

-       انا قلت تطلع بره يبقى تطلع بره .. fuck you

-       انت هاترطن بالانجليزى يا ابن المجنونة ؟

وهجمت زوجة البواب على بيتر وأوسعته ضربا ثم تناولت المكواة وقذفتها فى وجهه لكنها أخطأت التصويب فجاءت فى رأس زوجها الذى استشاط غضبا:

-       ملكيش دخل انتى يا مرة

وطرح بيتر أرضا وراح يخنقه بقسوة  حتى كاد يلفظ أنفاسه الاخيره ثم تركه قائلا:

-   أنا هاسيبك تمشى ومش هاموتك بس حسك عينك ترجع تانى انت فاهم؟؟؟؟ ثم حمله حملا وألقاه خارج الشقة وأغلق الباب ووقع بيتر على وجهه أمام شقته وراح يعبث بالكراتبن المصطفة خارج الباب وأخذ منها بعض الأغراض على عجل وغادر الشقة والبناية كلها وفى طريقه وجد احدى الفيلات المهجورة فقفز الى داخلها وبدا فى فرز الأغراض كان هناك قميصان وبلوفر شتوى وحقيبة صغيرة بها بعض الأوراق وكان على السطح ملف بعنوان " اضطهاد الأقباط فى مصر" وابتسم بيتر فى سخرية ثم تناول أول ورقة وراح يعيد قراءتها مرات عديدة فاليوم يراها بمنظور جديد يجعله يدرك كم كان غبيا ومضللا قبل ذلك وبدأ يقرأ الرسالة بتأنى للمرة الثالثة وكان هذا نصها:

 

احمد المسلم ذبح شريكه القبطى رومانى راجى عبده باسوان

ومازال مسلسل اضطهاد و قتل الاقباط مستمرا لاجبارهم علي الدخول في الاسلام او يقتلون علي يد الجماعه الارهابيه الاسلاميه في كوم امبو في اسوان و بسبب بعض  شيوخ الازهر  فهذه هي نتائج و ردود افعال تعاليمكم علي الشباب المسلم فيعتقدون ان كل المسيحيين كفره و يجب ان يدخلوا في الاسلام او يقتلوا و اقربها البارحه الشيخ محمد اسماعيل قال ان المسيحي لو مات في القتال لا يعتبر شهيدا و لايدخل الجنه ==== الخ و لكن عشمي الان في القضاء المصري غير الوهابي انظروا الي حميه و غيره القاضي في الشرقيه للسيده المسلمه التي اغتصبها ١٠ مسلمين و اصدر حكما باعدامهم جميعا فهل يا تري نامل في حكم مماثل و عادل من القضاء المصري لاحمد القاتل المسلم للمسيحي روماني من كوم امبو اسوان لكي يجبره علي الدخول في الاسلام فرفض فقتله ارجوكم ارجوكم نهضه مصر و تقدمها و وقف هذه الاعمال الاجراميه في يد القضاء الان لا نريد قاضي ينخدع باقوال زائفه من المحامين او يميل الي تصديقهم و يصدق الادعاء الكاذب بان روماني كان علي علاقه بزوجه احمد القاتل اظن شبعنا من هذه الفكره كما حدث في دفش بالمنيا من الحكم علي المسلم قاتل الشاب المسيحي بسنه سجن مع وقف التنفيذ ارجوكم يا قضاه مصر اوقفوا سرطان الفتنه الطائفيه باحكامكم العادله

كلما قتل قبطي قال لة محامي الشياطين قل انة كان علي علاقة جنسية مع امي او اختي او زوجتي او ابنتي وكان الاقباط ناقصين نسوان او كان نساء المسلمات هكذا في منتهي السهولة ثم ياتي قاضي القت بة الظروف السوداء والجهل والتاخر والتعصب الاعمي الي اقدس مكان وهو كرسي القضاء المقدس فيحكم كالاعمي تسوقة غباوةتة وتعصبة وانا لا القي الاتهامات جزافا افيدونا يا اهل الخير كم قاتل مسلم تم تنفيذ حكم الاعدام فية ؟ الم يقل قاضي الظلم للمنتصرة مرثا لو معي سكين لذبحتك يا للفضيحة يا مصر الي اين ذهب بك مبارك والي اين سيذهب ؟ هل الي المحكمة الدولية ام الي خراب مصر ام الي نهاية مصر المحتومة نحن نثق في عدل الله هل تذكروا ايام استخدمتم الكيماوي لقتل الشعب اليمني بعدها كانت فضيحة ٦٧ وهل نسيتم ماذا حدث بعد مذبحة الكشح ؟ الم يحرق الرب قطارا بمن فية الم تغرق عبارة بمن فيها يا مسلمو مصر خافوا من يوم تقولون فية للجبال انطرحي وغطينا ويا اكام اهبطي علينا من وجة الله العادل الجالس علي العرش واقول لاهلي الاقباط لا تخافوا ولا ترتاعوا نموت بالسرطان بالمرض بالحوادث لا يهم ولكننا سنموت رجالا وعلي اسم سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح نحيا ونموت اما اولاد الاثم والهلاك فهم للهلاك يدعون وليتمجد اسم الرب ولتكن اجسادنا ذبيحة حية لمجد اسمة للابد وكما قال موسي النبي العظيم (قفوا وانظروا خلاص الرب) يسوع قريب

الي اسرة الضحية والي كل قبطي فوق العالي عليا وفوق المتسلط متسلطا وفوق الكل واحد هو الله لقد تفرعن الارهابيين بسبب خوف الحكومة منهم بل وتعاونها معهم في الاهداف وترك الحبل علي الغارب لهم في اتفاقيات علي حساب الاقباط ولم يعرفوا ان عدل الله لا يهتز ليقرواء سفر اشعياء ماذا سيفعل الرب في كل فرعون وكل متفرعن قريبا سنراكم تبولوا امام صغيرات جيش دفاع اسرائيل وتبكوا وتتباكوا للمجتمع الدولي طالبين الرحمة والعفو والرضا وتتفرعنوا علينا نشكوكم لله الي كل مسلم في المنتدي هل تتوقعوا ان يكون راينا في الاسلام ايجابيا ؟؟ وانتم تقتلوا اهلنا وتحرقوهم نشكوكم انتم وما توءمنون بة لله الحقيقي العادل

-      
رئيس الجمعيه الوطنيه القبطيه الامريكيه ا

 

 

.. أقام علاء وانتصار حفل عشاء عائلى فى أحد المطاعم العائمة بالزمالك بمناسبة زواجهما وبعد انتهاء الحفل اصطحبها إلى شقة خالها فى الحى الراقى حيث استقر رأيه على أنها أنسب مكان لعش الزوجية ، أنسب بكثير من شقته فى حى فيصل ومن الإقامة مع أمها التى صارت وحيدة بعد وفاة والد انتصار ودخلا الشقة فى صمت فتح الباب ودخل الى غرفة الجلوس أضاء النور وجلس ، وأغلقت انتصار باب الشقة ودخلت خلفه متألمة من تجاهله وازدرائه ولكن – ولدهشتها- شاعرة بنشوة لا تعرف لها وصفا تلك اللذة التى صارت تشعر بها فى كل شىء يحدث لها على يد علاء من إهانات وضرب وممارسة عنيفة فى الفراش .. تلك اللذة المريضة التى تدفعها دفعا إلى الاستحمام بماء ساخن لدرجة الغليان أحيانا .. كم أحبت وائل ولكنه كان وديعا لدرجة مقززة ، رقيقا إلى حد يصيبها بالغثيان ، لو أنه فقط كان قاسيا معها قليلا، لو أنه لم يحترمها بهذا الشكل، لو أنه قابلها قبل كل ما حدث لها..

-       بتعملى ايه يا مدام؟ هستناكى الليل بطوله ولا ايه؟

انتزعها صوت علاء من خواطرها فخلعت حجابها وألقته على الأرض وهرولت إليه وهمت بخلع الفستان لولا أن أوقفتها نظراته المستهترة الباردة وهو يقول :

-       أنا مليش نفس.. زى ما تقولى كده نفسى غامة عليا .. ثم وضع ساقا فوق الأخرى وسألها:

-       عندنا ايه يتاكل؟ أصلى جعت والعشا مكانش أد كده فى الأوتيل

انهارت انتصار على أقرب مقعد وقد أصابها الاحباط وقالت بحذر:

-       بس انت أكلت كويس هناك .. ده انت اكتر واحد أكل

-   انت هاتعدى عليا الأكل يا روح امك.. قومى ومتورنيش خلقتك غير لما السفرة تكون جاهزة .. وقامت انتصار إلى المطبخ وراحت تعد الطعام وجاءها للمرة الألف نفس الخاطر أن تتناول سكينا حامية وتذبحه بها ذبحا لكنها تذكرت آخر مرة فعلتها وكيف انهار كرهها له أمام كرهها لنفسها فألقت السكين وانهارت تحت قدميه ليوسعها ضربا.. لطالما كرهت نفسها منذ طفولتها كان والدها غاضب عليها باستمرار لم يحدث أن أخطأ مرة واحدة وأخذها فى حضنه ، كان يوسعها ضربا لأتفه الأسباب وشبت كارهة لنفسها معتقدة أن كل ما تفعله بنية حسنة ينقلب عليها وعلى من حولها شرا ، لم تكن راضية عن نفسها كانت تقف بالساعات أمام المرآه وتفكر ماذا لو كانت أقصر قامة ؟ لماذا تكون بهذا الطول الذى يجعلها لا تجيد الاختفاء وان حاولت؟ ولماذا لم تكن بشرتها أفتح من ذلك ؟ حتى جسدها الفائر كانت تعتبر بروزاته عيوبا واستدارته عاهة.. وحده خالها كان يعطيها بعضا من الثقة وقليلا من الاحترام لذاتها .. لم تشعر يوما بالاشباع كانت فى داخلها جائعة ولا تدرى ما الذى يمكنه أن يشبعها ويطمئن خوفها المسعور الذى كان يأكلها من الداخل عما تلو الآخر دون أن ترى له مبررا منطقيا منذ صغرها كانت تعاقب نفسها بالامتناع عن الطعام وبالبكاء وعدم النوم الا انها صارت عنيفة مع نفسها بعد أن عرفت علاء وذاقت الأمرين على يديه وعلى يد عبد الجبار ذلك العسكرى المقزز المتوحش كالحيوانات.. كثيرا ما سالت انتصار نفسها هل يعقل ان يكون هناك بشر بهذا التوحش ؟ لم يكن لدى عبد الجبار كلمات بل لكمات لم تكن لديه مشاعر بل انفعلالات يفرغها فى جسدها وهى راضية ، كانت تبكى بين ذراعيه وبداخلها رضا لأنها تؤمن ان هذا هو ما تستحقه فهى لا تستحق حنانا ولا حبا ، كان داخلها هاجس يؤرقها أنها مثل عبد الجبار حيوانة لكن الله وضع الحيوان بداخلها فى قالب جميل من الأنوثة الفائرة . الشىء الوحيد الذى جعل انتصار تشعر فى مرحلة من مراحل عمرها بالاحترام كان عملها فى السياسة لكن المفارقة التى تضحكها أن عملها فى السياسة كان هو ما جر عليها كل هذه المآسى المروعة، وهو ما جعلها تكره مصر وتكره أهلها فقد اكتشفت من خلال قربها من المعارضة أن معارضة مصر أسوأ من حكومتها وأن المسأله لا تتعدى كونها حسابات مصالح فهناك من رأى مصلحته مع النظام وهناك من اكتشف أنه فى المعارضة يكسب أكثر وفى النهاية كانت هى وغيرها من المغفلين الذين صدقوا الشعارات الجوفاء ضحايا لهذه المهزلة السياسية. وخرجت انتصار بالطعام ووضعته أمام علاء الذى ابتسم قائلا فى مرح له بريق المعادن:

-       ما تيجى نلعب لعبة جديدة .. نظرت له انتصار فى شغف وابتلعت ريقها فى صعوبة وقالت:

-       أنا تحت أمرك

-   أنا ارميلك الأكل على الأرض وانتى وطى وكليه من غير ما تستعملى ايدك خالص ولو استعملتى ايدك هاجلدك بالكرباج السودانى الجديد

وهزت انتصار رأسها بالموافقة فألقى لها بقطعة لحم بعد أن داس عليها بالحذاء وعندما همت انتصار بالتقاطها داس بحذائه على رأسها لتتأوه فى ألم يشعرها بالاشباع المهين وفى داخلها انحدرت دمعه ساخنة عندما تذكرت ما قاله لها وائل فى أحد لقاءاتهما عن أبطال المعارضة أيام العهد البائد- كما يسميه علاء- كان وائل يقول لها:

-   يا حبيبة قلبى انتى بريئة ومش فاهمة الموقف فى أوساط المعارضة.. مش بس جوزك اللى بيعيش فى ازدواجية.. المعارضين كلهم كده اللى يتشهر منهم ويبقى بطل اعرفى انه أكثرهم استفادة من المبادىء وان المخلص الحقيقى بيضيع عارفة ليه يا حبيبتى؟ لأن فى مصر البطولة بأجر والاستشهاد مجانا.

 

 

استقل عماد سيارته الفارهة فى فخر وتوجه الى مقر محكمة الثورة التى تم اختياره فيها كقاضى للحكم فيما يسميه الرأى العام بقضايا التصفية أى تصفية أذناب العهد البائد والنظام الفاسد.. وقد خرج عماد من منزله وقد عقد العزم على أن يصفيهم واحدا واحدا فهى فرصة عمره لكى يصبح بطلا قوميا كما كان يحلم فى مراهقته ، ذلك الحلم الذى نسيه مع عمله فى النيابة وزواجه بامرأة تفتقر إلى الأنوثة، كل مقوماتها أنها ابنة مستشار كبير ومسنود مع الوقت بدأ يشعر أنه صار بطلا بحق مع الثروة والنفوذ.. ورغم شعوره بالحنين للحلم القديم إلا أن عقله كان يفيقه فى اللحظة الأخيرة كى لا يضيع كل ما كسبه وصل اليه ، وبمجرد وصوله الى المحكمة جلس مزهزا بنفسه شاعرا بالعظمة والارتواء وكاميرات التلفزة موجهه اليه وهو يحاكم ابن الرئيس السابق وعصبته وبالطبع جاءت الاحكام ما بين اعدام ونفى ومصادرة أموال.. وكتب بيتر فى مذكراته عن أحكام محكمة الثورة: كانت أحكاما باردة مزيفه رغم حدتها الظاهرة ..أحكام لم تأت من غضب حقيقى بل جاءت من نفوس أمارة بالسوء كل ما كانت تسعى إليه هو مزيد من الشهرة والفرقعة الاعلامية . كانت الجلسه التى يرأسها مستشار اخوانى تصدر الأحكام جزافا على كل علمانى أو يسارى وان كان متدينا فى حياته الخاصة وكانت الجلسه التى يرأسها مستشار من محكمة أمن الدولة فى العهد البائد تسفك دم أى شخص كان له علاقة ولو سطحية بالحزب الوطنى أو بالحكومة المخلوعه وكأنهم يطهرون أنفسهم بدماء الآخرين من تهمة الدياثة السياسية فى العهد الماضى، وفى كل جلسه كان هناك مندوبان من الجيش أو بعض قطاعات الشرطة يسجنان رئيس الجلسه بينهما وكأنهما ناكر ونكير، كانت احكام الثورة حق يراد به باطل وخير أتى على يد رجال امتهنوا الشر عقودا طويلة من الظلم والظلام.. ليت كل رجال الثورة كانوا مثل ناجى ذلك الضابط الوسيم الجرىء الذى يتمتع بقدر كبير من الصدق والمحبة للوطن، كان ناجى مسلما مخلصا ومصريا صادقا لكنه ذهب بلا رجعه فمثله لا يعيشون فى وطن صار مرتعا للذئاب ولكن أنى له أن يستمر فى ثورة اقتسمها الجيش والأخوان فقسموا ظهرها وقلبوا حقها باطلا ثم انقسم الاخوان واقاموا محكمة القيم .. أول محكمة لا تنعقد لها جلسات ولا يدافع فيها المتهم عن نفسه والحكم فيها ينفذ فوريا وبلا تريث.. حتى غرقت مصر فى بحور الدم من جديد بعد هدوء نسبى لم يدم شهورا قليلة.. كتب بيتر هذه السطور قبل أيام من مطاردة نفس المحكمة له بدعوى أنه من المبشرين وعملاء الاستعمار الكافر وانه جاسوس للولايات المتحدة الأمريكية ولدولة اسرائيل وبالطبع لم يفت الامام الاكبر للجماعة وهيئة العلماء أن يهدروا دمه، وبعد أن وجد بيتر ان استمراره فى الدير صار خطرا عليه بعد أن صارت الجوامع والأديرة ساحات للحرب الأهلية ولتصفية العناصر المارقة من أتباع الديانتين على حد سواء ، وبعد أن صدر له كتاب عن عظماء الاسلام وذلك بعد ان دعته الفتنة الى دراسة الدين الاسلامى داسة وافيه جعلته يتحول من احتقار الاسلام الى احترام تعاليمه وجعلته يفرق تماما بين من يراهم من المسلمين فى الشوارع يقتتلون على اهون سبب ويكفرون الآخرين وبين الاسلام وهو ما كان كفيلا بإهدار دمه من قبل بعض رجال الكنيسة وتهميشه من قبل جماعات أقباط المهجر فلم يجد لنفسه ملجأ إلا عند وائل الذى تحول منزله الفاخر الى ملجأ للمطاردين والمغضوب عليهم من بيتر المصرى الامريكى إلى النمنم اللص البسيط الذى صار وطنيا بالصدفة.. إلى عبد الجبار ذلك العسكرى الذى بطش بهم فى المعتقل قبل ذلك وصار كسيرا ذليلا لا حول له ولا قوة . فى هذا البيت قضى بيتر أسعد وأغلى أيام عمره ، فى هذا البيت صار بيتر مصريا مصريا بعد أن تخلص من رواسب التفوق الأمريكى ونزعة التكبر والفخر التى كانت تملأه عندما يناديه الناس: يا خواجه ولأول مرة يأكل بيتر الفول المدمس والكشرى ولأول مرة أيضا يبكى من اجل مصر وعلى حالها فقد صار يحبها كوطن بعد أن كان يحبها كبلد سياحى يقضى بها اجازاته ويفتخر أمام الأمريكان بأنه حفيد تلك الحضارة العظيمة ثم  يعود فينكر صلته بمصر المعاصرة أمامهم. أصبح بيتر ينزعج لو أخطأ النمنم وناداه بكلمة خواجه ويضحك من قلبه عندما يمسك عبد الجبار بالنمنم ويوسعه ضربا على قفاه عندما يسرق الأخير الخبز من تحت مخدته. كم تمنى لو أن تلك الأيام تدوم وتزول الغمة عن مصر ، كم مرة حسد فيها وائل وهو يحكى عن طفولته فى رمضان وعن الفوانيس والكنافة وألف ليلة وليلة والفوازير، حتى النمنم اكتشف بيتر انه قضى أوقاتا سعيدة وساحرة فوق سطوح بيتهم فى الدويقة وعند أصدقائه فى الحسين والسيدة عيشة وعن حفلات شعبان عبد الرحيم وأغانى شفيقة التى كان يحب عليها توحة بنت الجيران التى ماتت محروقة بعد انفحر فى وجهها وابور الجاز.. وجد بيتر نفسه واكتشف انه كان يحيا حياة شخص غيره لا حياة تليق بمواطن مصرى ..ولكن للأسف كان يشعر وكأنه ولد تائه تعرف على أمه بعد موتها فما الذى سيفعله الآن وقد صارت شوارع مصر ملتهبة وقاسية وفى داخله شعر بالندم لأنه لم يأكل ترمس على شاطىء النيل ولا تذوق القطائف فى رمضان ولا واظب على حضور الكنيسة كل أحد حتى عندما اختبأ فى أحد الاديرة لم يقرب الصلاة ولم يشعل شمعه واحدة.

أما عبد الجبار فقد كان نادما على شىء واحد فقط ..أنه لم يستجب لعلاء بيه. كان دائما يؤنب نفسه على غبائه الذى ضيع منه كل شىء فى لحظة غباء وعند لقد عاش عمره كله لا يقول سوى نعم وحاضر وأوامر سعادتك ، وعندما قال لا للمرة الوحيدة فى حياته خسر كل شىء. صحيح أن وائل كان يعامله معاملة حسنة وأن النمنم وبيتر تقبلوه وعاملوه بلطف لم يشاهده فى حياته من قبل إلا أن كل هذا لم يكن يرضيه. كان شبح الخوف يحوم فوق رأسه وهو يتخيل فرقة من الجيش أو مجموعه من الآمرين بالمعروف يقتحمون بيت وائل ويعدمونهم جميعا بلا رحمة .. كان متيقنا فى داخله ان ذلك سيحدث ان آجلا أو عاجلا وهو لم يكن يريد الموت بل كان الانتقام هو الشىء الوحيد الذى يتحكم فيه، رغبة شديدة فى الانتقام من أى شخص وبأى وسيلة كان وائل فى نظره رجل ثرى لا يدرى أين ينفق نقوده أما بيتر فهو خواجه يعانى من فراغ قاتل يريد ملأه بالأحداث الدامية والنمنم مجرد شخص حقير كأهل قريته الذين أدمنوا العيش فى القذارة كالخنازير، يقبلون بالفتات ويضحكون على خيبتهم. لقد سقطت من عبد الجبار أشياء كثيرة فى رحلته لكن شيئا واحدا ظل ملازما له كظله يجرى فى عروقه الصعيدية .. الثأر ، ذلك الحلم الذى يؤرقه ليلا ويعذبه نهارا لدرجة أنه كلما رأى الشوارع تفيض دما وتشتعل عنفا كان يشعر بالارتواء ولذلك لم يتوقف عن ضرب النمنم حتى بعد أن صارا يتشاركان الفراش واللقمة ولم يحب بيتر رغم معاملته الحسنة ووجهه البشوش ولا شعر أنه يمكن أن ياتى عليه اليوم الذى يخدم فيه وائل كما كان يخدم علاء بك ولذا لم يتحمل عبد الجبار البقاء فى بيت وائل أكثر من ذلك، وذات صباح استيقظوا ولم يجدوه بينهم، الغريب أنهم حزنوا لفراقه فالنمنم بكى كث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الثانى: الحلقة الأولى

كتبها ميادة مدحت ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 11:54 ص

 

الفصل الثانى

 

هبطت هدى من التاكسى الذى كانت تستقله ونظرت إلى مقر نيابة أمن الدولة وهاجمتها ذكريات يوم الاستفتاء المشئوم وما حدث لها ثم كيف أغلقت القضية دون الوصول إلى الجناة رغم أنهم كانوا معلومين للجميع وكيف تلوثت سمعتها وكادت تبقى بدون زواج إلى الأبد لولا أن تقدم لها أحد زملائها فى قسم الإعلانات فتزوجته رغم كل تحفظاتها عليه لتعيش حياة أقرب للجحيم وها هى الآن تقف أمام مكتب عماد الذى أصبح وكيلا لنيابة أمن الدولة فى صيف 2006  وطلبت من العسكري الواقف على باب المكتب الدخول:

- أنا عندي ميعاد مع عماد بك، بلغه إن الصحفية هدى قدرى من جريدة الرأى فى انتظاره

و يرد العسكري بحماس واحترام:

- سيادته سايب خبر يا افندم .. اتفضلي

وتنظر هدى خلفها فى فزع شاعرة بأن يدا ما تنتهكها من الخلف ثم تدرك أنها تهيؤات كالعادة ..تهيؤات تقتحمها منذ اليوم المشؤوم عندما انتهكها الأمن فى الشارع و دخلت هدى ليقف عماد وفى عينيه إعجاب قديم يتجدد ، يمد يده مصافحا فتمد يدها ليأخذها ويلثمها قائلا:

- آخر مرة شفتك كان من سنة تقريبا.. تضحك في دلال وتقول:

- انت لسه فاكر يا عماد بك

- هو اللي في جمالك تتنسى؟ الشعر الأصفر والعيون الخضرا والـ .. إحم

تبتسم ولا ترد فيبادرها بالسؤال عن زميلها المصور:

- زميلك المصور عامل إيه دلوقت؟

- محمد؟ الحمد لله ساب المستشفى تسكت برهة وتنظر في عيني عماد قائلة:

- وساب الجريدة برضه

- راح جريدة ثانية؟

- لا اشتغل مصور فنانات.. رقاصات بمعنى أدق

ينظر لها عماد في دهشة فتجاوبه قبل أن يسأل:

- الحقيقة محمد شاف إن شغل الصحافة مش جايب همه غير إن الرقاصات هيعرفوا يحموه كويس ويجيبوله حقه لو حد اعتدى عليه واهى ماشية معاه اشترى شقه صغيرة وعربية يعنى..

- وانتى يا هدى؟

- أنا اتجوزت من شهرين وحصلت أخيرا على عضوية النقابة وجاية دلوقت بتكليف من رئيس قسم الحوادث عشان اعمل مع حضرتك ريبورتاج عن أظرف الجرائم اللى قابلتك في تاريخك المهني وبلهجة ساخرة تكمل:

- باعتبارك واحد من أنزه رجال النيابة في مصر.. تصله سخريتها لكنها لا تؤلمه.. نعم لقد أقفل القضية الخاصة بهتك عرض الصحفيات في الشوارع يوم الاستفتاء وقيدها ضد مجهول لكنه نال أكثر مما كان يحلم وتم نقله الى نيابة أمن الدولة ونال ورضا قياداته عنه.. ولو لم يوافق على أوامرهم كانوا سيعاقبونه وسيأتي من بعده من يتنازل ويقبض الثمن..لم ينس إلى الآن تفاصيل الاتصال الهاتفى الذى جاءه من قيادة كبرى فى وزارة العدل تأمرة بإغلاق ملف قضية التحرش العنى بصحفيات وناشطات فى يوم الاستفتاء مقابل ترقية لا يحلم بها وعندما حاول الاعتراض هدده المسئول بمجازاته ونقله الى آخر الدنيا ولم يتردد عماد كثيرا فى نفس اليوم كان قد حسم رأيه وفى أقل من شهر كان قد نقل الى نيابة أمن الدولة يبتسم فى مرارة قائلا فى سره :

- هى دى مصر يا هدى!!! وسألته هدى عن الكاتب الذي كان معه منذ عام فيقول دون أن يرفع عينيه إليها:

- اتفصل .. ضبطوه بياخد عشرين جنيه رشوه ففصلوه.. وتصمت هدى فى ذهول.. ثم تعلق: - هى كده دايما اللى بيسرق لقمة هو اللى بيتمسك، واللى بيسرق طابونة العيش كلها بيفلت بالفرن واللى فيه وتكمل فى سرها:

- وبيترقى كمان

ينظر إليها فى غضب فتغير الموضوع وتشغل جهاز التسجيل وتبدأ العمل


..فى صيف 1993  وفى كفر المساطيل في الصعيد في منزل عبد الجبار كان والده" مظلوم" في غرفة نومه يرتدى جلبابه الأبيض ويستعد للخروج، بينما كانت " ستهم" أم عبد الجبار تنوح وتلطم خديها بعد فشل محاولاتها لإثناء زوجها عن الخروج الى مشواره، وهدأ مظلوم من روعها قائلا:

- يا ستهم "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" وبعدين هو أنا رايح أحارب يا وليه؟

- حرام عليك يا مظلوم.. إحنا عايزينك يا اخويا .. عبد الجبار لساه صغار

- عبد الجبار راجل من ظهر راجل.. أنا عايزه لما يكبر يتباهى بأبوه .. سيبينى بجى عشان ألحج الناس اللى مستنظرين في الغيط

ويندفع مظلوم الى غيط "عنتر" الذي يريد المأمور وضع يده عليه بحجة أنه "مش ملك حد"، وذلك بعد أن أعلن عنتر المسكين أن هناك دفينة "قبرا فرعونيا" تحت غيطه وبالطبع لم يصدقه أحد من البلد أولا لان البلد بأكملها لا يوجد بها دفينة واحدة والكثير حاولوا ولم يعثروا على اى شيء، وثانيا لأن عنتر المسكين كلامه كله نخع وفشر فهو أفقر وأقبح واضعف خلق الله مما كان يدفعه لاختلاق الكذبة تلو الأخرى لكي يلفت الأنظار. ولسوء حظه سمعه "أبو شناف" وهو شيخ الغفر في القرية الذي كان مكلفا بحماية البلد والزرايب في فترة الليل والمعروف بتحالفه مع اللصوص والحكومة على حد سواء، وبالطبع كان أبو شناف غريبا عن البلد بلا أرض ولا جاه وكان يأمل أن المأمور عندما يستولى على قيراطين الأرض بتوع عنتر ويكتشف أنه ليس بها كنز ولا يحزنون فسوف يبيعها بثمن زهيد وبهذا يشتريها أبو شناف بسعر رخيص ويذل أهل القرية الذين رفضوا أن يبيعوا لابو شناف قيراط أرض واحد.

وصل مظلوم بملامحه الطيبة وقامته المفرودة إلى غيط عنتر ليرى عساكر الأمن المركزي تحاصر الغيط وتهدم عشة عنتر الذي انخرط في البكاء وراح يحط من طين الأرض على رأسه وهو يصرخ:

- وشرف أمي يا سيد بيه الأرض مفيهاش مساخيط، أنى كنت بافشر يا باشا، الأرض مفيهاش مساخيط غيري يا باشا، أنى المسخوط الوحيد الى فيها يا باشا.. خدونى وسيبوا الأرض يا عالم.. غيتونى يا هووه

ويميل "سيد" بيه – المأمور- على قائد قوة تنفيذ الأحكام وعلى وجهه ابتسامة صفراء بغيضة قائلا:

- الواد ده أصله مجنون يا باشا والبلد كلها عارفة مش كده يا عمدة؟ يرتجف العمدة "عبد الملك" وينظر بشفقه على الفلاح المكلوم ثم يشيح بوجهه وهو يقول :- ايوه يا باشا ده مجنون ابن مجنون. ويقول المأمور وهو ينظر في ساعته:

- عموما أنا كلمت اللي هيعقلوه وزمانهم جايين.. في نفس اللحظة ينجح مظلوم في اختراق الحاجز الامنى ويهتف بأعلى صوته:

- هو اللي يدافع عن حقه في البلد دى يبقى مجنون يا سعادة المأمور؟

يرتعد المأمور قليلا ثم يتذكر أنه محاط بقوات الأمن التي ستحميه من أى اعتداء فيتقدم نصف خطوة ويحاول رفع صوته بقوة:

- إيه اللي جابك الساعة دى يا مظلوم ؟ متدخلش في اللى ميخصكش

- اللي بيحصل لعنتر يخصني ويخص كل نفر في البلد دى.. اللي بياخدوا أرضه النهار ده بدون وجه حق ممكن بكره ياخدوا أرضى أو أرض اى حد تانى.. اتقى الله يا سيد بيه النجوم اللي على أكتافك اللي انت وريتهالنا في عز الظهر مش هتنفعك يوم العرض عليه

- بقى انت يا شيوعي بتفكرنى بربنا؟

ينظر مظلوم للناس لأهل القرية ويصرخ فيهم:

- يا أهل بلدي أرض عنتر عرضه وعرضه عرضكم.. هتسيبوا المأمور يهتك عرضكو؟

وتندفع صيحات الغضب من أفواه أهل القرية المسلحين بالشوم ويتجهون نحو قوات الأمن في غضب عيونهم تلمع بالإصرار وأذرعهم السمراء ترتفع بالشوم ..لونهم كلون طمي النيل.. واندفاعهم كتدفقه في الفيضان.. ومن بعيد وقف عبد الجبار الصامت دائما وعيونه تكاد تنطق فخرا بوالده الشجاع.. ويهزه الزعيم قائلا: أبوك ده ولا شجيع السيما يا عبد الجبار.. وينتظر الصبية الموقعة الكبرى ولكن تأتى اللحظة غير المنتظرة .. لحظة يبدو أن الزمن قد توقف فيها لحظات.. تجمدت الأذرع السمراء على الشوم انطفأت شمس الإصرار في العيون.. وسكنها ليل الخوف عندما هبط من سيارتي الأمن المركزي عشرات الجنود فيما يشبه جيشا صغيرا انضم إلى الجنود الذين كانوا يحاصرون أرض عنتر ، في نفس اللحظة التي اخترقت سيارة بيضاء الجموع متجهة نحو المكان ونزل منها طبيب ورجلان شديدان ومعهما ما يشبه الملاءة البيضاء وأشار لهما المأمور إلى حيث انبطح عنتر أرضا .. وكان مظلوم هو أول من أدرك الموقف فصرخ في الناس:

-  يا ناس.. يا أهل بلدي اجمدوا الى يحارب عشره يحارب عشرين .. الباشا جايب الدكتور عشان ياخدوا  عنتر على مستشفى المجانين.. ده إحنا منبقاش رجاله لو أخذوه من وسطنا ويرفع زكى شومته ويهوش بها يمينا ويسارا لإبعاد رسل العباسية عن عنتر المسكين ولكن العمدة يضربه على ذراعه فوقعت الشومة من يده وعندما هم بالتقاطها اخرج المأمور مسدسه من خلف ظهره وراح يطلق الرصاص في الهواء وأمر قائد قوة تنفيذ الأحكام الجنود أن يضربوا في المليان إذا اقترب احدهم من الأرض أو من المأمور، ويقترب أبو شناف ببطء من مظلوم الذي وقف من جديد على قدميه وراح يركض باتجاه عنتر الذي كف عن البكاء وصار كالطفل بين يدي من حملوه من تأثير المهدئ الذي حقنوه به ولكن عيناه ظلت مذهولتان خائفتان ويداه ضارعتان تناديان مظلوم الذي حاول اللحاق به دون أن يستطيع  ونادى على الناس أن يثبتوا ولكنهم كانوا قد تفرقوا بالفعل قلم يعد هناك أحد سواه في داخل الدائرة الأمنية الجهنمية وينظر أبو شناف الى المأمور وكأنه يأخذ منه إذنا بعمل شيء ما وعندما أخذ الإشارة هتف بأعلى صوته:

- الحقنى يا باشا مظلوم معاه مسدس..ويستدير عساكر الأمن المركزي ليواجهوا خطر مظلوم الأعزل بطلقات الرشاشات وتندفع الدماء خارج مظلوم وكأنها تثور في وجه من غدروا به، ويسقط مظلوم ببطء وعيناه مثبتتان على وجه " عبد الجبار" الذي اكتسى وجهه بذهول ظل مرسوما على وجهه شهورا طويلة وبنظرة أخرى لا يمكن أن يرمق بها ولدا والده الذي يحتضر ..

لقد كانت نظرة لوما وعتابا.. عتاب ظل في داخله طيلة حياته وشعور أن والده قد عشمه وخلى به.. إن والده ركب فرس البطولة وهو غير جدير به .. لقد كان يفخر بوالده كثيرا وها هو والده يسقط جثه في الوحل أمام أهل البلد جميعا.. أهل البلد الذي مات من أجلهم.. أهل البلد الذين تخلوا عنه وتركوه يواجه الموت وحده.. من اليوم صار أهل البلد أعداءه.. وفى داخله ترددت كلمة واحده:- يا ويلكم منى يا أهل كفر المساطيل.

 

فى 2006-07-24 وفى حوش ليمان طرة - حيث تم نقل عبد الجبار لمهمة محددة وهى مراقبة أحد المعتقلين عن كثب وانتظار الأمر بتصفيته- جلست مجموعه من شباب المعتقلين فى حوش الليمان يتناقشون فى الأمور السياسية ويلقون بالدعابات بين الحين والآخر، وهم: "عادل" المهندس اليسارى الذى ينتمى إلى أسرة متوسطة تعيش فى امبابة، مثقف جدا ومتفانى فى سبيل مبادئه لأبعد الحدود، وسامى عضو حركة الإخوان المحظورة ، ابن الوجه البحرى الذى جاء ليشارك فى إحدى مظاهرات كفاية فتم اعتقاله، ومعهم جلس وائل الصحفى الليبرالى الذى تمت محاكمته بسبب مقالة كتبها عن الظلم والديكتاتورية اعتبرها النظام إهانه له، وإلى جوارهم جلس "النمنم" شاب نصف أمى مرح لا يمل الدعابات قرر الاستفادة من الأفندية المتعلمين والسير فى ركابهم أملا فى أن يخرج من طرة بطلا بعد أن دخله لصا، والغريب أنه لم يتم القبض عليه وهو يسرق بل لأنه كان يراقب فى إعجاب أعضاء حركة كفاية المشاركين فى إحدى المظاهرات وكانت تلك أول مرة يرى فيها النمنم مظاهرة و اعتقد العسكر أنه مع كفاية فاعتقلوه معهم. وكان النمنم دائما يتندر بين زملاء المعتقل:

- أنا من يوم ما اتولدت وانا باسرق مفيش مرة اتعملى محضر ولا اتاخدت تحرى قوم لما أقف فى مظاهره لأول مرة فى حياتى وعشان اتفرج مش عشان اتظاهر قوم يعتقلونى؟ طب وحياة من خلق العالم دول بالغباوة دى كلها لاكون معارضهم من هنا ليوم القيامة كرامة لمخهم الضلم. ويضحك عادل قائلا:

- انت ايه اللى رماك ع السرقة يا نمنم؟ يتنهد نمنم ويتحسس شعره الذى أطاله ليقترب من كتفه قائلا:

- يعنى يا باشمهندز عادل واحد أبوه جه م العراق جثه فى صندوق بعد سنين غربة ويا ريته جه ومعاه حاجه إلا يا مولاى كما خلقتنى، وامى عرفت السكة، اللقمة اللى هيجيبها الحلال مش هتشبع عيالها باعت نفسها بعقد عرفى لواحد عجوز من الخليج على أمل انه يتكفل بيا وباخواتى خدها على بلده قعدت معاه سنتين مشافتناش ولما نزلت بمعجزة ومعاها ميتين دولار ماتت تانى يوم فى فرشتها. واحد زيى كان هيطلع ايه يعنى..عالم ذرة؟

ويشارك سامى فى الحوار قائلا:

- احنا لازم ان شاء الله نعمل قعدة طويلة كل واحد فينا يتكلم فيهاعن حياته وعن اللى رماه على المعتقل. وينضم الشاعر الشاب على إلى الجلسه ويشاغبه وائل قائلا:

- أهلا بشاعر البادية..يا ترى مين آخر ملهمة كتبت فيها شعر فى زنزانة الأنس؟

تنحنح على قائلا:

- الحقيقة هو ملهم مش ملهمة؟.. ويضحك الجميع متسائلين من هو فيجيب:

- هتعرفوه لما تسمعوا آخر كتاباتى.. اسمعوا..

 يا عسكرى الدرك أفزعنى منظرك.. ويضحك الجميع ليواصل على:

يا عسكرى الحكومة بينك وبينى تار

دم البلد والنيل والأرض والثوار

.. وتحتبس الكلمات فى حلق "على" عندما يلمح الجمود الذى أصاب أعين زملائه والتى تصلبت جميعها خلف ظهره ويستدير على ليرى وجه عبد الجبار الدميم ثم فقد وعيه إثر لكمة قوية فى وجهه قبل أن يتم اصطحابه إلى زنزانة التأديب أو ما يعرف بالحبس الانفرادى.

ويقول النمنم:

 - انتو مش ملاحظين يا جماعة إن الجدع اللى اسمه عبد الجبار مبيتكلمش خالص .. أنا كنت فاكره اخرس لولا انى سمعته بيشتم واحد من الجدعان المعتقلين الجدد.

يرد عليه عادل:

- الشىء اللى محيرنى ايه اللى يخلى عبد الجبار واللى زيه يكونوا بالقسوة دى رغم ان المفروض انهم غلابه ومطحونين ومن الشعب الغلبان.. ويرد سامى الاخوانى:

- اللى معندوش دين يعمل أكتر من كده.. أنا عمرى ما شفته بيصلى

وهنا يقول عادل فى لهجه ساخرة:

-هل تعتقد يا شيخ سامى أن المدعو أبو لهب-عفوا- عبد الجبار ملحد؟ ودون أن ينتظر الإجابة يكمل فى سخرية:

- ما تدعيله يا بركة يمكن ربنا يهديه ويشهر إسلامه.. ويرفع سامى اصبعه محذرا:

- يا أخ عادل أنا قبل كده حذرتك من أسلوب الاستهزاء ده أنا مبسخرش من مبدأك يا أخى عشان انت كل شويه تسخر منى ومن مبادئى.. رغم ان مبادئك مغلوطة وبعيدة عن روح الدين.. ويضحك عادل مستنكرا:

- هو انت عندك مبادىء بجد يا سامى؟.. وقبل أن يرد الاخوانى الشاب الذى احمر وجهه وراح يرغى ويزبد قام نمنم باصطحابه بعيدا بحجة الاستفسار عن بعض الأشياء الشرعية وذلك حتى يمنع صداما محتوما بين الناشط اليسارى وعضو الحركة المحظورة. وتنتهى الفسحة ليعود المعتقلين إلى زنازينهم. وفى الزنزانة يسأل النمنم سامى :

- قول لى يا شيخ سامى هو السلام على المسيحيين باليد حرام؟

فيجيبه سامى بلهجة الخبير:

- لا.. لكنه مكروه ويجب أن يبدأ هو بالسلام وخذ با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الأول : الحلقة الثانية

كتبها ميادة مدحت ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 11:51 ص

 وفى مقر حزب معارض عريق فى منطقة راقية جلس رئيس الحزب فى صالون فخم مرتديا حلة أنيقة للغاية - خلفه صورة زعيم الحزب الراحل- وجلس أمامه فى نفس الصالون بيتر عونى  ودار بينهما حوار تليفزيونى بدأه بيتر عندما سأل رئيس الحزب:

-ما رأيكم في التجاوزات التي حدثت يوم الاستفتاء؟

أجاب رئيس الحزب فى بلاغة :

- هذه ليست تجاوزات إنها جرائم بشعة: هتك عرض وضرب مبرح واعتقالات وسحل.. وسط البلد تحولت لساحة حرب بسبب عنف الأمن غير المبرر، هذه وسائل لا تستخدمها إلا النظم الشمولية المستبدة.. ويعقب بيتر:

- ولكن الأمن يبرر.. يقاطعه رئيس الحزب بحده قائلا:

- متقاطعنيش أنا لسه مكملتش.. مفيش مبرر أيا كان يجعلك تتعدى على الصحفيين أثناء أداء عملهم، أو تعتقل شباب يعبرون عن رأيهم في عصر انت بتزعم أنه أزهى عصور الديمقراطية في مصر

و تشرق ابتسامة مرحة على وجه بيتر الخمرى وهو يسأل:

- بمناسبة الديمقراطية وندائكم بتحديد فترات الرئاسة بحيث لا تزيد على اثنتين، هل تطبقون هذه القاعدة في حزبكم الذى من المفترض أنه حزب ليبرالي؟

- لقد نادينا بالفعل بتحديد الفترات الرئاسية أسوة بالدول المتقدمة، ويضحك قائلا: أما بالنسبة لحزبنا فالوضع مختلف تماما و ذو طبيعة خاصة فنحن حزب لا توجد فيه رئاسة بل زعامة وأبوة ولائحة الحزب لا تنص على تحديد فترات رئاسته، فهل تريدنا أن نخالف لائحة الحزب؟

سأله بيتر باستنكار:

- وهل دستور جمهورية مصر العربية ينص على تحديد فترات الرئاسة؟

فاجاب رئيس الحزب:

-لا.. ولكننا نطالب بتعديل الدستور

- نتمنى أن يتم ذلك وأن تعدلوا لائحة حزبكم لتتناسب مع الليبرالية التي تطالبون النظام بها.

وهنا يتململ رئيس الحزب في نفاذ صبر قائلا:

- أوعدك إن الموضوع ده يكون محل دراسة

- هل لديكم تعليق أو جمله تودون الختام بها

- نعم. أود أن أؤكد على قيم الديمقراطية وأطالب الحكومة وباقي أحزاب المعارضة بالاقتداء بحزبنا العريق وبالممارسات الديمقراطية داخله

- شكرا يا فندم

وانصرف بيتر وهو يضرب أخماسا فى أسداس ليدخل السكرتير الخاص لرئيس الحزب قائلا:

- الأستاذ منصور خارج المكتب يا فندم وعايز يقابلك عشان يناقش قرار تعيين مصطفى السماك في الهيئة العليا للحزب

- يعنى إيه يناقشني؟

- هو بيقول إن مصطفى ده يا فندم لا يتسم بطهارة اليد كما أنه ناصري قديم فكيف ينضم إلى حزب ليبرالي؟ ومنصور يحتج على ….

- يحتج؟؟ افصلوه اكتب لى قرار فصله من الحزب حالا

- لكن يافندم منصور من أهم الكوادر الشابة عندنا و..

رئيس الحزب:

- أنا قلت افصلوه فورا وإذا طولت في الكلام عن كده هافصلك انت كمان

-أمرك يا فندم

ويدق جرس الهاتف ليرد رئيس الحزب الليبرالي:الو.. أهلا يا دكتور ازيك…طبعا سنحتج وسنواصل الهجوم على النظام الشمولي ده.. أنا وصلتني مستندات خطيرة من فاعل خير تفضح ممارسات الأمن يوم الاستفتاء.. آه فاعل خير مسمى نفسه عسكري الدرك..أنا لن أسكت.. إحنا أهم حاجة عندنا زى ما انت عارف هى الديموقراطية.. الديموقراطية يا عزيزي.


 

 

 

 

يقطع عليه حبل أفكاره صوت زميله عيد وهو ينادى عليه لأن عبد القوى باشا يريده، يقف العسكري وفى عينيه مزيج من الذل والغضب المكتوم ويهتف في سره:

- عايز إيه تانى؟ يا ترى هيضربنى بإيه المرة دى؟

ويسير العسكري متثاقلا حتى يصل إلى باب غرفة الباشا مدير المعسكر وعلى الباب يقف العسكري الآخر وفى عينيه الخوف والتقدير للقادم ويفتح له الباب قائلا في إعزاز:

- اتفضل يا عسكري الدرك

 ويدخل عسكري الدرك إلى مكتب عبد القوى الذي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل على عباده ويغلق الباب خلفه وهو لا يعلم أن ثمة باب من الجحيم قد انفتح على البلد ولن يستطيع هو ولا غيره أن يغلقه.. ويقف عبد الجبار مرتعدا أمام الباشا بينما تسافر ذاكرته إلى 1990 فى قريته الصغيرة بالصعيد


كان والد عبد الجبار جالسا في حقله ممسكا بناي يعزف عليه لحنا شجيا ، وكان عبد الجبار صبيا يلهو مع أقرانه بعد أن فرغ من الغذاء مع والده، بينما أتى من الجانب الآخر رهط من الرجال قاصدين "مظلوم" الذى لم يعرف أبدا لماذا سمته أمه بهذا الاسم ، وكان مظلوم كالقبلة التي يقصدها كل محتاج وذو مظلمة في البلد، ولم لا وهو المناضل القديم الذي عاش شبابه المبكر مقربا من نجيب سرور وشهدي عطية ورؤساء الحركة الشيوعية في مصر في فترة الستينات. وينادى عليه أكبرهم سنا:

- السلام عليكم يا أبو عبد الجبار

- وعليكو السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضلوا يا رجالة

وجلس الرجال ليبثوا مظلوم شكواهم من العمدة المفترى الذي يأتمر بأمر مأمور المركز وباشاوات مصر واستمع لهم باهتمام وعلامات الأسى تملا وجهه الأسمر.. ثم قال:

- أنا قلت ميت مرة لابد نسيب خناق بعض شويه ونمسك في خناق الظلمة وناخد تارنا منهم لكن محدش سمع كلامي

وهنا هتف أحد الرجال:

- خناق مين يا مظلوم ؟ إحنا قدهم

- لو نظمنا نفسنا وحددنا مطالبنا واحد اثنين تلاته هنكون قدهم ونص،  دلوقتى الأرض بتاعة قناوي وعبد الرحمن هتتاخد وتدخل كردون مباني لأن الباشا الظابط عايز يعمل فوقها مدرسة وإحنا عارفين انه بعد ما طلع معاش عايز يدخل الانتخابات بتاعة مجلس الشعب وعايز يبنى المدرسة على أرض مش بتاعته بفلوس حرام أخدها من الرشاوى.. يعنى من دقنه وافتل له.. لازم كلنا نتحد ونواجهه هو عنده خمسين فدان في بلدنا لو عايز يعمل مدرسه يعملها على أرضه ..

- أنت في دماغك حاجه يا مظلوم ؟

- أيوه يا عم محمدين أنا عندي خطة.. اسمعوا يا جماعه

ويشرح مظلوم خطته لمواجهة مخطط الضابط وعصابته والرجال يستمعون في اهتمام ويحدث محمدين نفسه قائلا:

- يا سلام على كلامك يا مظلوم طول عمرك حديتك مزوج ومترتب بتعرف تتكلم بجد"… ومن بعيد كان عبد الجبار يلهو مع أقرانه وينافسهم في العوم ويسبقهم وخلفه رفيقيه "الزعيم" و "ورداني" وهما يتندران على جسد عبده اللي زى الطور ومن لسانه الذي لا يستخدمه ربع ما يستخدم ايديه المرزبات.. ويضحك الزعيم قائلا " هو بيعرف يتكلم أصلا؟"…. فيرد ورداني:

-  على رأيك رغم إن أبوه كلامنجى ميه ميه!!!!!!

وجد عبد الجبار نفسه في مواجهة "عبد القوى" باشا لأول مرة منذ ضربه بالقلم على وجهه يخمد عبد الجبار سيف جبروته فكل مفترى له مفترى أقوى يلمه، يقول عبد القوى بدون أن ينظر تجاهه:

- الجرائد المعارضة كلها كاتبة عن عسكري في الأمن المركزي يشيع الرعب فى الشارع وناشره صورك نقلا عن النيويورك تايمز واعترافات فى رسائل تدين أجهزة الأمن في تلفيق قضايا وتزوير وهتك عرض.. احم احم.. الحقيقة إن فيها حاجات تم ارتكابها في معسكرنا هنا.. قصدي يعنى.. بيدعوا إنها حصلت هنا.. ويلوح شبح ابتسامة تشفى على وجه عبد الجبار ثم يتدارك الأمر بسرعة وينظر في عيني عبد القوى باشا ويهز كتفيه وكأنه لا يعلم.. فيقول الباشا في غضب عارم:

- الرسائل دى موقعة باسمك؟

- عبد الجبار مظلوم يا فندم؟..

– لا التانى.. اسم الشهرة، اللقب بتاعك عسكري الدرك..

يرتجف عبد الجبار متهتها :

- العساكر ك.. كتير يا باشا وبعدين أنا مم مم مقدرش اعمل حاجة زى كده يا فندم

وهنا هب عبد القوى واقفا ودار حول عبد الجبار الذي تحول لونه الأسود الى صفار يميل إلى الزرقة وكأنه جثه واقفة على قدمين.. وهمس مهددا :

- لو تأكدنا انه أنت مش هنرحمك ثم يضربه على قفاه أنت عارف هنعمل فيك إيه وهنوديك فين يا ابن الـ….. وانهالت الاهانات والركلات واللكما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفصل الأول : الحلقة الأولى

كتبها ميادة مدحت ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 11:50 ص

البداية

السبت 24/6/2006

الرواية

بطرس

تأليف/ ميادة مدحت

 

 

الفصل الأول

 

بمجرد أن أشارت عقارب الساعة إلى التاسعة صباحا قبلت انتصار والدتها وتناولت حقيبتها واتجهت مسرعة نحو باب الشقة وهى تتعثر فى حذائها الذى لم تتم ارتدائه فهتفت بها والدتها وهى تمسح آثار أحمر الشفاه الذى طبعته انتصار على وجنتها:

- مستعجلة كده ليه يا بنتى؟

نظرت لها انتصار وعيناها تبتسمان وقالت بصوت مرتفع كعادتها:

- هاتأخر يا ماما

- هى المحاضرة مهمة للدرجة دى؟

شردت انتصار بعينها وهى تتمتم:

- جدا جدا يا أمى العزيزة..

 وأغلقت الباب خلفها وأسرعت إلى المصعد و داخل المصعد أحكمت حجابها ثم نظرت إلى المرآة تتأمل وجهها وتصلح هندامها مازال شكلها بالحجاب يثير دهشتها رغم أنها ترتديه منذ عامين .. خرجت من المصعد ووقفت أمام العمارة فتوقفت أمامها سيارة أجرة وهتف سائقها الدميم الذى بدا فى السبعين من العمر هاتفا بها  فى سماجة:

- ما تركب معايا يا قمر.. تجاهلت النظر إليه حتى انصرف ومرت إحدى سيارات الأجرة فأشارت لها وتوقفت السيارة فاستقلتها قائلة للسائق:

- نقابة الصحفيين من فضلك

فى الطريق هبت نسمة هواء رطبة وصافية، وداعبت النسمة وجنتيها فخفق قلبها وتذكرت كيف كان شعرها الناعم الطويل ينسدل خلفها ويطير مع النسيم قبل أن ترتدى الحجاب ورغم أنها لم تعتبر نفسها عورة فى يوم من الأيام إلا أنها وجدت نفسها محاطة بسيل من المواعظ فى الكلية والمنزل والعائلة حتى صديقاتها كلهن محجبات هذا غير التحرشات التى كانت تكابدها فى الشارع والمترو. لقد كانت انتصار دائما خاضعة للمجتمع فى المظاهر والتقاليد إلا أنها لم تستطع منع نفسها من الميل للسياسة ثم العمل بها لأول مرة من خلال حركة كفاية ربما كان هتافها ضد الحكومة وبسقوط النظام يشبع رغبة جياشة بداخلها للهتاف فى وجه أبيها المستشار والذى عمل فى بداية حياته ضابط شرطة وكانت دائما تسخر منه وتشبهه بعسكرى الدرك الذى كان يصرخ فى الأفلام القديمة:

- ها مين هناك..

كان صارما للغاية وكأنه ماكينة كبرى تصدر الأوامر فقط .. وظلت انتصار فى أسره حتى تمت إعارته إلى السعودية وقتها فقط شعرت انتصار بالحرية الحقيقية .. كانت تنظر إلى خالها اليسارى الكبير الذى توفى منذ عامين على أنه مثلها الأعلى، كان لا يمل من الحديث معها لساعات يجيبها على أسئلتها ويشرح له موقفه من الحياة ويقص عليها ذكرياته، وفجأة رحل خالها مزدردا اهانة لم يتحملها حينما اختطف بعد مشاركته فى احد المؤتمرات وضربه أحد المخبرين على قفاه..لم يتحمل وهو فى الخامسة والستين ما كان يتحمله فى الثلاثين ومات. وبانضمامها إلى حركة كفاية كانت تشعر بأنها تكمل مسيرة خالها وتمارس حقها فى الصراخ والهتاف والرفض.. وعندما انخرطت فى الحركة وبدأت تشارك فى المظاهرة تلو الأخرى نما وعيها أكثر لم تعد المسألة شخصية فى نظرها بدأت تقرأ وتفهم وتعرف أن أى وضع فردى خاطىء أو مأساوى هو بالضرورة انعكاس للوضع العام ولأول مرة تحب انتصار كلية الحقوق التى التحقت بها دون رغبتها وصار حلمها أن تمتلك مكتبا للمحاماة بعد التخرج وأن تتزوج بطلا قوميا أو على الأقل عضوا سياسيا نشطا فى كفاية.. سألتها احدى صديقاتها ذات مرة:

- مش خايفة على نفسك من البوليس؟

- واخاف ليه؟ والدى مستشار كبير وأنا مسنودة و خالى علمنى أن الغضب الذى يسببه الظلم سيأتى عليه لحظة حتمية ويصبح أقوى بكثير من أى خوف.. ساعتها نبهتها تلك الصديقة إلى أنها بدأت تستخدم الفصحى كثيرا فى حوارها كما أن حديثها أصبح مملا وصعب الفهم، وفى خلال أشهر قليلة من بداية نشاطها السياسى كانت علاقة انتصار قد انقطعت بصديقاتها كلهن إما لأنهن عجزن عن التواصل مع اهتماماتها الجديدة وإما لخوفهن من التورط أمنيا..

.. وصلت السيارة إلى نقابة الصحفيين فترجلت انتصار بعد أن حاسبت السائق وعبرت الشارع إلى مقر النقابة حيث كان هناك تجمع كبير من الناشطين على سلم النقابة وكان هناك كردونا أمنيا ضخما يحاصر منطقة وسط البلد كلها وفى داخلها ارتجفت انتصار للحظة ولكنها شجعت نفسها قائلة:

- ياللا يا انتصار دى مش المرة الأولى اللى تنزلى فيها مظاهرة

وهمت انتصار بعبور الشارع ولكن فجأة انشقت الأرض عن سيارة ميكروباص زرقاء زجاجها معتم وفى لحظة وجدت انتصار نفسها داخل السيارة التى دفعها إليها مخبر ضخم وحاولت انتصار المقاومة لكن الضرب الذى انهال عليها من ثلاثة وحوش كانوا داخل الميكروباص الحكومى أفقدها الوعى تماما..


ابتسم بيتر عونى للكاميرا فى إرهاق وأمسك الميكروفون ليبدأ فى سرد تقريره المصور عن أحداث يوم الاستفتاء على تعديل المادتين 67 و 77 من الدستور المصرى قائلا:

- لن تنسى منطقة وسط البلد هذا اليوم من عام 2005 حيث حاصرت جحافل قوات الأمن المركزي المنطقة ، المشهد يوحى أن ثمة معركة حربية ستدور رحاها قريبا، وعلى سلم نقابة الصحفيين كانت هناك حشود غفيرة من المدنيين يتظاهرون، بالقرب من ميدان التحرير، وعلى الكورنيش كان هناك جيشا من السيارات والميكروباصات التصقت ببعضها واختنقت في زحام ليس له مثيل حيث اتضح لنا من مشهد الركاب المتذمرون في صمت أن المواجهة في وسط البلد قد حكمت عليهم أن تتوقف حياتهم وأن يوقفوا ساعات اليد عن الخفقان حتى تحسم نتيجة المعركة غير المتكافأة. في أحد الميكروباصات التى كنت أقف إلى جوارها دارت مناقشة حامية الوطيس حول ما إذا كان السبب في هذا الزحام ووقف الحال المتظاهرون أم قوات الأمن.

ومن أحد أوتوبيسات النقل العام أخرج المواطنون رؤوسهم ليشاهدوا بيتر وهو يتحدث أمام الكاميرات وراح البعض يلوح للكاميرات فى بلاهة والتفت أحد الركاب إلى رفيقه فى المقعد المجاور قائلا:

- هما الجماعة المعارضين دول فاكرين نفسهم هيغيروا الكون.. هما هيستفيدوا إيه لما يعطلونا ويغضبوا النظام؟

وازدرد الرجل الأخر لعابه ولم يجب بل أدار وجهه للناحية الأخرى وكأنه لم يسمع فتبرع أحد الركاب والذى كان واقفا ويستند بكلتا يديه إلى المقعد الذى كانا يجلسان عليه ويكاد عرقه يسيل على وجوههم قائلا:

- انت عايزهم يسكتوا على الفساد والرشوة والاستبداد؟ ثم يا أخي كتر خيرهم أهم بيثورلنا سلف، وبيتبهدلوا في المعتقلات نيابة عننا.

يقاوح المواطن اليائس الأول معترضا:

- دى مش ثورة ده غباء، وهو إحنا كنا استفدنا إيه من المظاهرات وقال أعضاء كفاية مسميينا الأغلبية الصامتة.. صامته ازاى ده إحنا حتى مبنبطلش كلام، هو إحنا بنعمل حاجة طول حياتنا غير الكلام؟ ثم إن الثورة إللى متوصلش أصحابها للحكم متبقاش ثورة

.. استبد الحر والقهر بالمواطن اليائس الثاني وتصور أن غريمه في النقاش هو أحد أعوان النظام فيحتد عليه صارخا :

- أنت إيه يا أخي شانن حرب نووية على اللي بيتظاهروا ليه؟ أنت مرشد للأمن ولا إيه نظامك؟

يثور الآخر ويرغى ويزبد:

- أنا مرشد يا ابن الـ……؟

ويتحول النقاش بالكلمات إلى صراع باللكمات

وعلى الناصية الأخرى يواصل بيتر عونى تقريره أمام الكاميرا قائلا:

- والغريب أننا التقطنا في هذا اليوم أكثر من ثلاثين مشهدا لمشادات بين الناس في إشارات المرور في وسط البلد ولا أستبعد أن يكون السبب واحد، يبدو أن الناس فى مصر غاضبون من الحكومة ولكنهم يفضلون تفريغ هذا الغضب في صدور بعضهم البعض بدلا من إطلاقه في وجه النظام، إما لخوفهم من بطشه وإما لأن إعلامه قد غيبهم حتى صاروا لا يعرفون لهم عدوا فلا يحاربون غير طواحين الهواء.

غير أن أكثر ما أثار انتباهي هو أحد العساكر في أواخر العقد الثالث من عمره قوى البنية ملامحه متيبسة وعيونه ميتة يضرب بعنف وقسوة ولكن بدون أدنى تعبير عن الغضب على وجهه، ولولا أنى أعلم أن مصر من الدول المتخلفة تكنولوجيا لقلت أن هذا العسكري ما هو إلا إنسان آلى ابتكرته قوات الأمن في مصر لتضمن وجود عسكري مطيع للأوامر وبدون نقاش وعنده القدرة على التنفيذ بدون ضمير يردعه ولا عقل يمنعه. لقد أذهلني أن أعرف أن زملاءه يطلقون عليه لقب " عسكري الدرك"، وهو اللقب الذى كان يطلق قديما على العسكري المكلف بحراسة الشوارع ومنع حدوث حوادث السرقة والاغتصاب وما إلى ذلك، هذا ما فهمته من صديقي المصري، ولكن ما لم أتمكن من فهمه كيف يسميه زملاؤه "عسكري الدرك" في الوقت الذي كان يرى ويسمع بل ويشارك في عمليات هتك أعراض المتظاهرات بل إننى لمحت في عينيه السعادة وهو يمزق ملابس إحداهن ويتطاول على حرمة جسدها، لقد رأيته يضرب زميلا له أقل بكثير في الحجم ليأخذ منه هاتفا نقالا كان يخص أحد المتظاهرين ثم يدسه في جيبه وكأنه حق مكتسب له؟ هل يعتقد هذا العسكري أن الناشطين السياسيين والحقوقيين لصوص؟ ترى هل استغلوا جهله ليوهموه بذلك؟ أم أنه يعلم حقيقتهم ويعلم حقيقته فيصر على إلصاق هذا اللقب بنفسه حتى ينفى عنه تهمة اللصوصية؟

كان معكم

بيتر عوني

القاهرة

                                                                من أمام نقابة المحامين

*****************************************************

 

جلس "عماد" وكيل النيابة الشاب على مكتب أنيق مرتديا بذلة كاملة وربطة عنق فكها قليلا ثم قام ليخلع الجاكت ووضعه على ظهر المقعد بعناية وهو يرمق بإعجاب الفتاة التى دخلت عليه للتو وأشار إلى الكاتب أن يسجل وقائع التحقيق مع الصحفية الشابة التى جلست متهالكة على المقعد أمام الوكيل ليسألها:

- اسمك وسنك وعنوانك ووظيفتك

وتجيبه الصحفية التى كانت ملابسها ممزقة وتستر جسدها المرتجف بجاكيت رجالى أسود اللون

- هدى محمود قدري، 28 سنة صحفية بجريدة الرأي، عنوانى 4 ش الخلفاوى/ شبرا

- لقد قدمتى بلاغ يفيد بتعرضك لهتك العرض العلني على مدخل مقر نقابة الصحفيين في المظاهرات التى قامت بها حركة كفاية للاحتجاج على استفتاء تعديل المادة 76 من الدستور.. - ما سبب تواجدك هناك؟

أجابته هدى:

- كنت مكلفة من الجريدة بتغطية أحداث المظاهرة وذهبت إلى هناك لتأدية عملي

- وعملك هذا إجبارى ألم يكن من الممكن أن تعتذري عنه؟

ردت هدى بعصبية واستنكار:

- هو سيادتك بتحقق معايا أنا بدل ما تستدعى المجرمين اللى  ارتكبوا الواقعة وتحقق معاهم؟

فمال عماد إلى الامام ورد متأملا هدى:

- ما هو لما واحدة بالجمال والأنوثة دى كلها تنزل مظاهرة فيها أشكال مش ولابد من البديهى أن تتعرض لكوارث.. متوقعة ايه من شوية شباب ضايعين بيعملوا هرج ومرج ..ثم التفت إلى كاتبه وصرخ فيه :

- انت بتكتب إيه يا زفت؟ متكتبش السؤال اللى فات يا غبى.. اشطبه

ثم يلتفت إلى هدى التى تجيبه بحسرة:

- الشباب اللى حضرتك تقصدهم كانوا بيعبروا عن رأيهم مش أكتر، ومتنساش يا فندم إن الشباب دول هم اللي خلصوني وستروني بهدومهم، اللي عملوا كده كانوا من الأمن يا فندم

يرد عماد باستهزاء :

- طب احكى لى  يا هانم اللي حصل لك

ارتجفت هدى وامتقع وجهها شديد البياض وقالت :

-  حوالى الساعة العاشرة صباحا كنت أمام نقابة الصحفيين ومعي زميلي المصور الذي يرقد الآن في المستشفى بعد أن تم ضربه ضربا مبرحا، بدأت في إجراء بعض الحوارات السريعة مع المتظاهرين بينما كان زميلي يلتقط صورا للمظاهرة، عندما لاحظت اقتراب بعض الشباب من الجهة المواجهة لنا والذين كانوا يهتفون للنظام يقتربون منى  ثم حاصرونى في شكل دائرة كنت فى منتصفها ومعى إحدى عضوات حركة كفاية وبدأ هجومهم علينا بالضرب ثم مزقوا ملابسنا وهتكوا عرضنا

- هل تذكرين عددهم وملامحهم بالتفصيل؟

تبكى هدى ثم تمسح دموعها قائلةً:

- كانوا ستة ولقد اخذوا أوامر مباشرة من الرائد وليد لقد سمعته بنفسي وهو يأمرهم قائلا:  "قلعوها هدموها بنت الـكلب دى".

اعتدل وكيل النيابة في جلسته وبدا مذهولا مما يسمعه وقال لنفسه:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb