الفصل الأخير
.. مرت سنوات على انتصار وعلى مصر .. تم فيها بيع جميع البنوك الوطنية واشتدت شوكة الاخوان المسلمين وتعددت حوادث الاختفاء القسرى للمعارضين .. تمت محاكمة خمسة رؤساء تحرير لجرائد حزبية ومستقلة وتم الزج بأحدهم الى معتقل الواحات بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم . وفى ليمان طرة وفى ظروف غامضة تم قتل أحد زعماء المعارضة وأحد المرشحين لأول انتخابات رئاسية فى مصر وأعلنت وزارة الداخلية انتحاره وذلك بعد القبض عليه للمرة الثانية فى قضية تحرش بأنثى..وفى عام واحد قام المستثمرين الأجانب بتشريد نصف مليون موظف وعامل فى المصانع والشركات وقطاعى الصحة والتعليم وفى نفس العام ولدت انتصار طفلا ميتا وفى الحقيقة لم تكن تعلم أيهما والده زوجها أم علاء.. و خصخصت الدولة كل شىء من البنوك إلى وسائل المواصلات ولم يبق فى يدها سوى الجيش والشرطة ووزارة الاعلام التى استغلها نجل الرئيس فى تقديم برنامج يومى يشرح فيه خطته للخروج من الازمة الاقتصادية الطاحنة التى تزيد يوما بعد يوم ويطالب الموطنين بالدعاء لوالده بالشفاء العاجل ولوالدته بالرحمة.. وكان التلفزيون المصرى هو آخر المحطات التى أذاعت خبر اجتياح الجيوش الامريكية لدمشق وإعدام الرئيس السورى ، فقد كان منشغلا بإذاعة بيانات لجنة السياسات وتغطية الحرب الأهلية بين غزة والضفة فى أراضى الحكم الذاتى للعرب فى إسرائيل وعرض الحلقة الثلاثون بعد الألف من مسلسل أجنبى فشل فى الدولة التى أنتجته فشلا ذريعا.
وفى خضم هذه الأحداث الجسام زادت الحركات الاحتجاجية والإضرابات التى عمت مصر من الاسكندرية إلى أسوان واستشرى الفساد حتى طالب بعض النواب بإلغاء عقوبة الرشوة من قانون العقوبات.. وبين كل هذه الأحداث تاهت انتصار فى تعاستها الزوجية مع زوج يعانى من انفصام فى الشخصية فهو خارج المنزل مناضل تقدمى وداخل المنزل حيوان تحكمه الغريزة لا مبالاة لديه بمشاعرها بل حتى بوجودها..ثم اكتشفت خيانته لها مع احدى فتيات الاعلانات مما فجر داخلها غضبا لا حدود له وجدت نفسها بدون وعى تتصل بعلاء وتذهب إليه ..وفتح لها باب شقته وعلى وجهه ابتسامة ظفر استهتار فى آن واحد وانتابها نفس الشعور بالخوف والغثيان وهى تنظر إلى وجهه الأبيض اللامع وشعره المحلوق ليظهر شديد القصر .. كان كل شىء فيه يلمع ولم تكن قسوته قسوة حيوانات ولا بدا لها يوما أنه وحش، كانت قسوته من نوع مختلف كقسوة آله حديدية براقة ولامعه تدهس من أمامها بلا رحمة وبلا حتى أى مظاهر استمتاع بسحق من أمامه. خانت انتصار زوجها معه وفى الفراش كتبت تقريرا فى زوجها أودى به الى المعتقل مع ثلاثة من زملائه فى حركة 9 مارس ورفعت ضده دعوى تطليق وقبل أن تحصل على الطلاق تعرفت على وائل الصحفى الليبرالى الشاب الذى خرج لتوه من المعتقل والغريب أنها تعرفت عليه جلسة محاكمة زوجها وزملائه وكان هو حاضرا لمساندة أساتذة الجامعة المتهمين أما هى فكانت ذاهبة للتشفى فى زوجها.. ووقعت انتصار فى حب وائل بعدما ساندها فى أزمتها بعد الطلاق ووفاة والدها وفى احد لقاءاتهما صارحها وائل بحبه ورغبته فى الزواج منها حيث نظر إلى عينيها بحب وقال لها:
- ليه يا حبيبتى ما بينا ايما سفر ده البعد ذنب كبير لا يغتفر .. فضحكت انتصار بدلال :
- صلاح جاهين؟
- لا.. ده قلبى
يضحكان سويا وفجأة يباغتها:
- تقبلى تتجوزينى؟ وارتعدت انتصار عندما سمعت سؤاله ولم ندر لم هل هو خوفها من تكرار التجربة؟ أم شعورها بأنها لا تستحق رجلا فى احترام وائل وهمهمت بصوت مرتجف:
- أرجوك اصبر على أنا لسه خارجة من تجربة مريرة .. وصبر وائل عام واثنان بلا فائدة لتقرر فجأة تركه وقد فاجأها هذا القرار كما فاجأه ولم تجد لنفسها مبررا سوى انه لم يمتهن كرامتها نعم لقد تغيرت انتصار فقد جعلتها المهانة التى تجرعتها لسنوات شخصا مريضا تستعذب عذابها تستمتع بسباب علاء لها أثناء لقائهما ومعاملته العنيفة لها .. صارت تجد لذة غامضة فى العذاب الذى تشعر فى قرارة نفسها أنها تستحقه..
وفى أحد اللقاءات الساخنة صارحها علاء بانضمامه الى تنظيم من ضباط الجيش والشرطة يسعى الى قلب نظام الحكم فنظرت له بذهول صامت ليقول لها:
- مستغربة ليه؟ .. همت بقول شىء ما فأجابها قبل ان تسأل :
- أيوه .. هى الجماعة اللى بتوزع منشورات فى مصر من سنتين
- بس ازاى؟ أنت ظابط أمن دولة؟
- أيوه أنا أمن دولة عارفة يعنى ايه ضابط أمن دولة ؟ نتعب ونشقى نفقد كل متعة فى الحياة وتطاردنا الكوابيس بالليل باللى بنعمله بالنهار لحد ما ماتت أرواحنا وبقينا وحوش وكل ده عشان إيه؟ عشان البيه الرقيع المدلل يتولى مقاليد الحكم بعد أبوه؟ طيب ايه اللى بيميزه عنى؟ وامتى تيجى فرصتى بعد عشرين سنة؟ وهابقى ايه فى الآخر لواء؟ وزير؟ الانقلاب ده لو نجح ممكن أوى أبقى وزير من بكره ومش بعيد أبقى رئيس مرة واحدة.
تتسع حدقتا انتصار فى ذهول غير مصدقة لما تسمعه فيضحك علاء ضحكته المعدنية ويقول:
- فاكرة الصور اللى تم ارسالها للصحافة وكليبات التعذيب التى تسربت منذ سنوات عن تجاوزات الامن وكانت تصل احيانا بتوقيع عسكرى الدرك؟ نعم احنا اللى سربناها الصحافة والمدونات.. مستغربيش كده عشان كل ده ضرب فى النظام وتجييش لمشاعر الناس عشان يساندونا لما نيجى.. ثم يقول فى لهجة استعراضية وكأنه يقف على خشبة المسرح : تخيلى ضباط ضد التعذيب ضباط يواجهون الضباط والنظام عشان الناس.. تخيلى رد فعل الشعب ؟ دول مش هايحبونا بس دول هايعملولنا تماثيل.. وتلمع عينيه ببريق مخيف وخيل لها للحظة انه قد فقد قواه العقلية وتسأله بحذر:
- مش شايف انها غريبة جدا أنك تكشف لى معلومات بالخطورة دى .. انت؟ …….. انت ناوى تقتلنى مش كده؟ يبتسم علاء فى جزل ثم يقول:
- لا .. مش هاقتلك.. أنا هاتجوزك
استيقظ عبد الجبار من نومه بصعوبة شديدة فقد نام بعد الرابعة فجرا وذلك بسبب كابوس أرقه فى أول الليل كان يتكرر دائما منذ حادث مقتل والده وكان عبد الجبار قد نال ترقية استثنائية والتحق بأمن الدولة بمساعدة علاء بك الذى وعده بترقيته ضابطا اذا نجحت الحركة المباركة فى الوصول الى الحكم .. استند عبد الجبار الى جدار الزنزانة التى كان مقيما فيها داخل ليمان طرة وقد كان حارسا عليها وسجانا لمن داخلها يوما ما وهو يتذكر كيف ان الباشا الكبير خال علاء بك والذى كان يشغل منصبا رفيعا فى الحكومة لسنوات طويلة كان أيضا يحضر اجتماعات حركة ضباط من أجل التغيير ويباركها ولم ينس أبدا الحوار الذى دار بين البك الكبير وبين الرائد ناجى حين قال الاول:
- صدقنى يا سيادة الرائد أن النظام يوشك على السقوط وأنا مش عايز أسقط وعايزك تتأكد أننى أدعمكم بقوة ومش من المعقول ولا المنطقى أن أشى بكم لأى سبب كان ويكفى أن يبقالكم ظهر قوي زيى فى الحكومة .. وينظر له ناجى باستخفاف ملوحا بيديه قائلا:
- كنت.. كنت قوي يا معالى الوزير بس حاليا الاضواء انحسرت عنك و النفوذ راح من ايدك
- ممكن يكون عندك حق أن الاضواء انحسرت عنى لكن النفوذ لسه فى ايدى وهاتشوف.. يا سيادة الرائد أنا كنت وزير وأنت لسه عيل وفضلت وزير رغم تعاقب ثلاثة رؤساء ويضع يديه على كتف ناجى هامسا بصوت يشبه الفحيح:
- أنا كنت أقوى من الرؤساء وأكثر قدرة على البقاء فى منصبى
- لأنك قوى؟ ولا لأنك بتتلون زى الحرباية باللون اللى يناسب كل عهد من الثلاثة؟
لم يسمع عبد الجبار باقى الحديث لكنه كان مذهولا مما سمعه يومها وغير قادر على استيعاب أكثر من نصف الكلام لكن الحقيقة الوحيدة التى كان يدركها أنه فى طريقه لمزيد من القوة والجبروت طالما يسير فى ركب علاء بك فهو رجل شديد وقوى انه أقوى بكثير من شيخ الغفر .. شيخ الغفر الذى انتقم منه عبد الجبار فقد تزوج ابنته الدميمة بعد طلاقها وأذاقها الويلات كان يتركها كالكم المهمل فى القرية ولا يزورها بالشهور.. لم يذكر أنه لمسها يوما الا ليضربها .. وكان زواجه بها هو أول خطوات الانتقام من أبى شناف ذلك المجرم الذى قتل أبيه وأمه وأخذ أرضه بالبخس. لم ينس كيف انه عاد الى البلد اجازة لمدة اسبوع نجح خلالها فى تفتيت عصابة أبى شناف فهذا متهرب من التجنيد فيبلغ عنه وذلك عليه ثأر فيدل أهل الثأر عليه هكذا حتى صار شيخ الغفر العجوز وحيدا ومشلولا كان لا يحلو له ضرب زوجته الدميمة ومعايرتها بخلقتها التى تشبه وجه القرد الا امام والدها.. ثم ألقى بالسفاح العجوز فى مضيفة العمدة لكنه لم يطق فكرة بعده عن سيطرته فأعاده بعد شهرين وهو شبه جثة ليدخل عليه ليلا كلما كان فى اجازة ويوسعه ضربا بالسوط وبالحذاء .. كم ليلة باتتها ابنة ابو شناف مقيدة وعارية فى شتاء طوبة وسط المواشى فى الزريبة.. لم يترك وسيلة لتعذيب عدوه القديم وابنته الا واستخدمها وفى ليلة شديدة البرودة مات أبو شناف وقبل أن تصرخ على والدها أجبر عبد الجبار زوجته على التنازل له -فى عقود جهزها له علاء بك- عن كل ما تملكه من طين ومواشى حتى الدار. مازال يذكر كيف كان يحرقها بماء النار ثم يكتم الجرح بالملح لتصرخ المسكينة وتبصم على عقد وهكذا حتى جردها مما تملك ثم ألقاها بثوبها المتهالك على قارعة الطريق تتكفف الناس .. وعاد عبد الجبار الى القاهرة مرفوع الرأس بداخله شعور بالارتواء المؤلم وكأنه كان ظمآن لألف سنه ووجد نفسه فجأة فى حضن النيل فشرب نصفه..ولكنه فوجىء بسكين ينغرس فى بطنه ويطالب بنصيبه من الماء كان ذلك علاء بك يطالب بنصيبه من التركه والاطيان لم ينس عبد الجبار الجشع الذى طل من عينى علاء وهو يقول:
- عشرين فدان يا عسكرى؟ وخمسين راس مواشى؟ انت مش شايف ان الوليمة كبيرة عليك لوحدك؟ وبعدين متنساش انى انا اللى جهزت لك العقود وانا اللى دليتك على الطريق اللى تاخد بيه حقك
انتفض عبد الجبار غضبا وخوفا فى آن واحد وقال بصوت مقهور ومبحوح:
- طلباتك يا علاء بيه؟. وضع علاء يده على كتف عبد الجبار قائلا:
- شوف يا سيدى أنا مش من هواة المواشى وهاسيبلك الدار كمان.. ثم مال على العسكرى الذى تحول وجهه إلى اللون الأزرق قائلا:
- أنا عايز الأرض
وأسقط فى يد عبد الجبار .. صمت لمدة لا يذكرها كل ما يذكره هو أنه صرخ فجأة فى وجه علاء ولأول مرة منذ زمن يستطيع عبد الجبار نطق جملة كاملة بدون تلعثم :
- إلا الأرض يا علاء بك
اتسعت عينا علاء فى ذهول ثم صرخ فى وجه عبد الجبار:
- نعم يا روح أمك؟ ده لولاى ما كنتش خدت اللى خدته يا غبى
- دى أرض دفعت ثمنها غالي.. دفعت فيها عمرى كله أنا ممكن أراضيك يا باشا لكن تأخذ الارض كلها ده بعينك
لم يدر بعدها عبد الجبار من أين يأتيه الضرب لكنه خرج من مكتب علاء بك وجسده أزرق اللون من آثار الركلات والضرب بكعب المسدس الميرى وذهب الى عنبر النوم متورما ولم يجرؤ أحد العساكر على الاقتراب منه أو سؤاله عن سبب ما حدث ودخل حسن العسكرى الفلاح الذى كان مبهورا بقوة عبد الجبار وقربه من الباشا كان معه كوبا من الشاى قدمه لعبد الجبار الذى احتساه ثم غاب فى غفوة وأفاق على آذان الفجر لم يكن حسن موجودا فى عنبر النوم ولم يكن سلاحه الميرى موجودا أيضا .. تفاصيل كثيرة مرت فى ذهن عبد الجبار منذ محاكمته عسكريا لضياع سلاحه الميرى فطرده من الخدمة ثم اختطافه من الشارع والزج به فى زنزانة الحبس الانفرادى فى ليمان طرة.. لقد كافح كثيرا بل ووضع يده فى يد قاتل أبيه وأمه حتى يصير من الغفر ثم صار من العسكر وفى اللحظة التى ظن فيها أنه بلغ مراده أخيرا وملك الدنيا ها هو الان ملقى فى زنزانة مظلمة مجردا من شرائطه ومن حلته الميرى
وأشرقت الشمس منقبضة القلب فى ذلك اليوم وكانها كانت تشعر بحجم الكارثة الموشكة على الوقوع كانت مصر قد شهدت خمسة تفجيرات كبرى فى القاهرة وشرم الشيخ وأسوان وانتشرت أعمال البلطجة الجماعية المنظمة وصار المواطن العادى لا يجد حماية الا لو كان اخوان سواء بالتنظيم أو بالتعاطف أو أمن إما بحكم الرتبة أو بالعمل لصالح جهة أمنية ما سواء أمن دولة أو أمن قومى أو حتى فى حمى فلان بك أو علان باشا..فى ذلك الصباح تم الاعلان عن وفاة رئيس الجمهورية وتم تحديد موعدا لاقامة الانتخابات الرئاسية بعد أربعين يوما وكانت الشروط اللازم توافرها فى المرشحين و التى نص عليها الدستور المصرى بعد التعديلات التى جرت عليه لا تنطبق إلا على أربعة أشخاص وهم: ابن الرئيس الراحل والذى كان يحمل الجنسية الانجليزية بجوار جنسيته المصرية ورجل أعمال ملياردير و المرشد العام للاخوان المسلمين الذى نجح فى انتخابات برلمانية تم وصفها بالاعجوبة وقتل فيها مئتين وخمسين من كوادر الاخوان والمتحمسين لهم أما الرابع فقد كان مرشحا شابا والده من أقباط المهجر وأمه من يهود اسرائيل..
وقف بيتر عونى مدير مكتب احدى الفضائيات أمام الكاميرا موجها خطابه للمشاهدين قائلا:
- ان الاسابيع القليلة القادمة هى أخطر مرحلة تمر بها مصر .. ترى هل يصمد هذا الوطن الذى أشرق فيه فجر الضمير أم أن شمس مصر ستغرب فى بحور الحرب الاهلية التى شبت فى الشوارع والحارات حتى فى مقار الاحزاب السياسية ؟ لقد تحول الصراع فى الماراثون الرئاسى الى قتال فى بعض الاحيان ومن المعروف أن رجل الاعمال الشهير قد تراجع عن الترشح لمنصب الرئيس لصالح صديقه ابن الرئيس الراحل الذى يلقى مساندة الحزب الحاكم ورجال الاعمال ورجال الشرطة .. بينما تقف قطاعات عريضة من الشعب مع مرشد الاخوان بينما لم يقل الجيش كلمته بعد وما يزال موقف الجيش غير واضحا حتى هذه اللحظة وان كان وزير الدفاع قد صرح أن الجيش موقفه محايد حتى هذه اللحظة ولكنه سيتدخل ان تم تهديد النظام والحقيقة اننى لا ادرك متى سيشعر الجيش بالخطر والشوارع تكاد تغرق فى بحور الدم؟ أما عن المرشح الرابع فهو مازال شديد الغموض ولم يعلن عن برنامج انتخابى محدد وان كان يلقى قبولا فى أوساط الاقباط ويهود مستوطنة أبى حصيرة الذين بلغ عددهم طبقا لآخر الاحصاءات ألفى يهودى. ترى من منهم سيحكم مصر؟
وتنزل التترات لتعلن نهاية الحلقة وينزع بيتر السماعة من أذنه فى نفس اللحظة التى يقتحم فيها الاستديو خمسة رجال مسلحين يرتدون الملابس الميرى ويتقدمهم ناجى ضابط الجيش
فيسألهم بيتر مندهشا:
- ايه ده ؟
ويجيبه الضابط بابتسامه عريضة:
كانت جماعة ضباط من أجل التغيير والتى انضم لها مؤخرا وزير الدفاع نفسه قد استولت على كل استديوهات التلفزيون المصرى ومعظم مكاتب الفضائيات العربيية والاجنبية فى مصر وتولت العناصر القليلة التى تنتمى الى الشرطة وبمساعدة ألوية من االجيش القاء القبض على كبار رجال الداخلية والجيش وتصفية بعضهم جسديا كما استولوا على الكثير من أقسام الشرطة وأحكموا قبضتهم على العساكر والاسلحة بل واستعانوا ببعض المحتجزين فى هذه الاقسام بحجة انهم جاؤوا لانقاذهم من التعذيب والامتهان وكان النمنم ذلك النشال السابق محتجز فى قسم الشرطة بتهمة نشل محفظة أمين شرطة وخرج من الحجز سعيدا بالثورة وهم بالتقاط سلاح من السلاحليك لينضم للضباط الاحرار كما سماهم عندما اصطدمت عينه بعلاء بك ضابط أمن الدولة الفاسد الذى حقق معه والصق به تهمة التظاهر التى ألقت به فى ليمان طرة وقتها عادت الذاكرة بالنمنم الى المعتقل والى وائل الليبرالى الذى قال له يوما ردا على امكانية ان يحكم الجيش ويصلح الحال مثلما فعل الضباط الاحرار وقتها ضحك الاستاذ وائل ثم قال للنمنم:
- الجيش من الممكن أن يحمى ديموقراطية موجودة بالفعل لكنه لا يصنع ديموقراطية ولا يمارسها .. وقتها لم يفهم النمنم حرفا واحدا مما قاله أستاذه ولكن وجود علاء أمامه لم يريحه فآثر الفرار الى منزله فى الدويقه والاختباء هناك ولكنه لم يكد يصل الى هناك حتى فوجىء بعدم وجود منزله ولا عشرين منزلا مجاورين له وعندما رأى الكتلة الصخرية الضخمة تحتل مكان البيوت المختفية حتى علم أن ما حدث فى 2008 قد حدث مرة أخرى وتذكر خيبة الجيش وقتها وكيف ان الاهالى كانوا يحفرون الانقاض بأظافرهم بحثا عن ذويهم.. ولكن هذه المرة لم يكن هناك أهالى ولا خيام وهام نمنم على وجهه فى شوارع المحروسة وهو يسب ويضحك بهستيريا:
- أموت واعرف مين ابن المتضايقة اللى سماها محروسة .. دى موكوسة .. مهروسة..
وقادته قدماه الى منزل وائل زميل المعتقل المثقف دق جرس الباب فتح له وائل الذى كانت عيناه مغرورقتان بالدموع وخلفه شاشة تلفاز تعرض مشاهد القتال فى الشوارع ألقى نمنم نفسه فى أحضان وائل وقال بصوت تخنقه الدموع:
- مين اللى سماها محروسة يا أستاذ ؟ أموت واشوفه ابن الوسخة..وانخرطا فى البكاء سويا..
..خرج بيتر من الاستوديو والذهول يعتريه ، لطالما كان رأيه أن النتيجة الطبيعية لما حدث فى مصر طيلة السنوات الماضية هو انقلاب عسكرى لنظام الحكم أو ثورة اخوانية لكن أن تتوقع شيئا غير أن تراه بعينك، وما حدث على أرض الواقع لم يكن مجرد انقلاب بل كان انقلابا دمويا عنيفا مصحوبا بحركة اعدام لمعظم رموز الحكم فى العهد السابق، انقلاب لم يأت إلا بعد ثورة للجياع اندلعت فى شوارع مصر كانت ثورة أبشع فى ضراوتها من الثورة الفرنسية .. وفجأة انتزع بيتر من أفكاره انتزاعا على جذع شجرة يلقى فى طريق سيارته ويجبره على التوقف. وترجل بيتر ليجد نفسه محاصرا من مجموعة ممن كان يسميهم قبلا بالجياع كانت رؤيتهم عن قرب ونظرة الجوع والحقد تتملكهم شىء مرعب لمن عاش عمره فى أمريكا فى رفاهية ورخاء .. كانت أظافرهم متسخة وطويلة وشعورهم غير مصففة ومن بينهم كانت امرأة لم يتبين جمالها من قبحها من ذلك التراب الذى غطى وجهها .. اقترب أكثرهم ضخامة من بيتر وأمسك بياقة قميصه الذى بلله عرق الخوف والحر وهزه بعنف قائلا:
- الأمور ابن مين فى البلد بقى؟ ارتجف بيتر وازدرد لعابه فى بطء دون أن يستطيع الرد وهاجمه آخر وراح يفتش فى جيوبه حتى وجد محفظته فأخذها وراح يعد النقود التى بها وهجم عليه جائع ثالث وهو يلهث:
- ده لابس سلسله دهب
وانتزع السلسه وراح ينظر لها فى سعاده بينما صرخت المرأة :
- إيه ده ؟ ده صليب.. الجدع مسيحى
اعتصره الضخم فى قبضته قائلا:
- انت وقعت ولا الهوى رماك.. والتفت ناظرا إلى من حوله :
- تلاقيه ابن ساويرس ولا لكح .. ثم نظر إلى بيتر متوعدا:
- ده انت وقعة أمك سودة
وانهار بيتر باكيا :
- لأ .. أرجوك شوف انا معايا كريديت كارد وخدوا العربية ..وخلع الساعة قائلا:
- والساعة دى تمنها خمس تلاف جنيه خدوها مش عايزها بس سيبونى أروح..
وضحكت المرأة ثم اقتربت منه قائلة:
- والنبى حلو واسمرانى .. ثم اقتربت منه أكثر هامسة:
- ما تسلم واتجوزك يا عسل
وانهار بيتر على ركبتيه غير مصدق لما يحدث عندما انقضت عليه المرأة تقبله فضربها الضخم ثم استدار الى بيتر وأوسعه ضربا بمشاركة الآخرين حتى طرحوه أرضا بين الوعى والإغماء وأخذوا السيارة وفروا بها بعيدا.. وظل بيتر يرتجف من الألم والصدمة ولم يدر كم من الوقت مضى عليه وهو فى هذه الحاله حتى استطاع أن يستجمع قواه وينهض ليكتشف أن وسيلة المواصلات الوحيدة المتاحة أمامه حتى المنزل هى قدميه وكان الاكتشاف فى حد ذاته مرعبا ولكن لم يكن أمامه اختيارات وبدأ الرحلة التى شاهد فيها العجائب ، جثث فى الشارع فاحت رائحتها دون أن تجد من يدفنها ، شعارات ضد ابن الرئيس وضد الحكم والحزب الحاكم على الجدران، منشورات ملقاة على قارعة الطريق تدعو الناس للتوحد خلف راية الإخوان ، ودبابات تسر فى الشوارع بدلا من السيارات وأوتوبيسات النقل العام، مصاحف ممزقة وملقاه على الأرض وراهبة مقتولة ونصفها السفلى ممزق بكل ما تحمله الكلمة من معنى وفى منتصف الطريق انتابته حالة من الرعب عندما رأى مجموعه من الملتحين ذوى الجلاليب البيضاء يقتربون من راهبتين وقفتا تنتحبان جوار جثة زميلتهم ، فقفز إلى صندوق كبير للقمامة كان فارغا حيث نبشه الجياع وأخرجوا كل ما فيه وأخرج عينيه ليراقب ما سيحدث ورسم صليبا على وجهه وصدره ودعا الله ودعا الله أن يسامحه لأنه لن يساعد هاتين الراهبتين ولكنه فوجىء بهما تخرجان مسدسان وتطلقان الرصاص على الرجال ذوى الجلاليب البيضاء.. كان ما يراه ضربا من الجنون لم يصدق عيناه لم يصدق كل ما سمعه من قبل عن التعصب والفتنة فى مصر، فقط كان يصدق إن كانت الضحية من الأقباط، فقط كان يصدق عندما يكون الجانى من الارهابيين الاسلاميين. عندما جاء الى مصر بصفة شبه دائمة للعمل والإقامة جاء بحبه للبلد وإيمانه أن الأقباط مضطهدون فيها وبأنه نصف خواجه وهو ما يجعله مميزا عمن يعيشون فى مصر من المسلمين أو حتى من أتباع المسيح وظل قرابة نصف الساعة مختبئا فى صندوق القمامة وعندما شعر بهدوء نسبى فى الشارع قفز إلى الخارج وراح يعدو بكل قوته فى اتجاه منزله فى المهندسين وعندما وصل اندفع إلى المصعد وبمجرد أن أغلق باب المصعد انهمر فى البكاء وتوقف المصعد وبمجرد أن خرج بيتر منه اصطدمت عيناه بباب شقته وقد انفتح على آخره واصطفت بعض أغراضه فى كراتين مفتوحه وتوجه ببطء نحو الشقه والخوف يعتريه وقد تيقن أن ثمة من اقتحم شقته وفى نفسه قال :
- مش مهم ياخدوا اللى ياخدوه المهم يسيبوا السرير
وسمع صوت البواب فاطمأن وخطر له ان البواب قد طرد المقتحمين ودخل الشقه ليجد زوجة البواب تمسك فى يدها اليمنى مكواة وفى اليسرى خلاطا وراحت تنادى على زوجها :
- متنساش الانسلال الدهب أبو قلوب والمادالية الحلوة دى الالماظ والا ما ادرى البلاتينه
وصرخ بيتر :
- انتو بتعملوا ايه يا حيوانات؟
وصرخت زوجة البواب ليأتى زوجها وفى عينيه نظرة تفيض كرها واستهزاءا فى ذات الوقت:
- انت شرفت يا خواجه؟؟
أشار بيتر بيديه إلى الباب :
- امشى اطلع بره انت والحيوانة دى
- نطلع بره؟ نروح فين ؟ دى بلدنا ..انت اللى تطلع بره يا مستر بيطر
وانقض عليه بيتر ولكمه فى أنفه صارخا :
- انا قلت تطلع بره يبقى تطلع بره .. fuck you
- انت هاترطن بالانجليزى يا ابن المجنونة ؟
وهجمت زوجة البواب على بيتر وأوسعته ضربا ثم تناولت المكواة وقذفتها فى وجهه لكنها أخطأت التصويب فجاءت فى رأس زوجها الذى استشاط غضبا:
- ملكيش دخل انتى يا مرة
وطرح بيتر أرضا وراح يخنقه بقسوة حتى كاد يلفظ أنفاسه الاخيره ثم تركه قائلا:
- أنا هاسيبك تمشى ومش هاموتك بس حسك عينك ترجع تانى انت فاهم؟؟؟؟ ثم حمله حملا وألقاه خارج الشقة وأغلق الباب ووقع بيتر على وجهه أمام شقته وراح يعبث بالكراتبن المصطفة خارج الباب وأخذ منها بعض الأغراض على عجل وغادر الشقة والبناية كلها وفى طريقه وجد احدى الفيلات المهجورة فقفز الى داخلها وبدا فى فرز الأغراض كان هناك قميصان وبلوفر شتوى وحقيبة صغيرة بها بعض الأوراق وكان على السطح ملف بعنوان " اضطهاد الأقباط فى مصر" وابتسم بيتر فى سخرية ثم تناول أول ورقة وراح يعيد قراءتها مرات عديدة فاليوم يراها بمنظور جديد يجعله يدرك كم كان غبيا ومضللا قبل ذلك وبدأ يقرأ الرسالة بتأنى للمرة الثالثة وكان هذا نصها:
ومازال مسلسل اضطهاد و قتل الاقباط مستمرا لاجبارهم علي الدخول في الاسلام او يقتلون علي يد الجماعه الارهابيه الاسلاميه في كوم امبو في اسوان و بسبب بعض شيوخ الازهر فهذه هي نتائج و ردود افعال تعاليمكم علي الشباب المسلم فيعتقدون ان كل المسيحيين كفره و يجب ان يدخلوا في الاسلام او يقتلوا و اقربها البارحه الشيخ محمد اسماعيل قال ان المسيحي لو مات في القتال لا يعتبر شهيدا و لايدخل الجنه ==== الخ و لكن عشمي الان في القضاء المصري غير الوهابي انظروا الي حميه و غيره القاضي في الشرقيه للسيده المسلمه التي اغتصبها ١٠ مسلمين و اصدر حكما باعدامهم جميعا فهل يا تري نامل في حكم مماثل و عادل من القضاء المصري لاحمد القاتل المسلم للمسيحي روماني من كوم امبو اسوان لكي يجبره علي الدخول في الاسلام فرفض فقتله ارجوكم ارجوكم نهضه مصر و تقدمها و وقف هذه الاعمال الاجراميه في يد القضاء الان لا نريد قاضي ينخدع باقوال زائفه من المحامين او يميل الي تصديقهم و يصدق الادعاء الكاذب بان روماني كان علي علاقه بزوجه احمد القاتل اظن شبعنا من هذه الفكره كما حدث في دفش بالمنيا من الحكم علي المسلم قاتل الشاب المسيحي بسنه سجن مع وقف التنفيذ ارجوكم يا قضاه مصر اوقفوا سرطان الفتنه الطائفيه باحكامكم العادله
كلما قتل قبطي قال لة محامي الشياطين قل انة كان علي علاقة جنسية مع امي او اختي او زوجتي او ابنتي وكان الاقباط ناقصين نسوان او كان نساء المسلمات هكذا في منتهي السهولة ثم ياتي قاضي القت بة الظروف السوداء والجهل والتاخر والتعصب الاعمي الي اقدس مكان وهو كرسي القضاء المقدس فيحكم كالاعمي تسوقة غباوةتة وتعصبة وانا لا القي الاتهامات جزافا افيدونا يا اهل الخير كم قاتل مسلم تم تنفيذ حكم الاعدام فية ؟ الم يقل قاضي الظلم للمنتصرة مرثا لو معي سكين لذبحتك يا للفضيحة يا مصر الي اين ذهب بك مبارك والي اين سيذهب ؟ هل الي المحكمة الدولية ام الي خراب مصر ام الي نهاية مصر المحتومة نحن نثق في عدل الله هل تذكروا ايام استخدمتم الكيماوي لقتل الشعب اليمني بعدها كانت فضيحة ٦٧ وهل نسيتم ماذا حدث بعد مذبحة الكشح ؟ الم يحرق الرب قطارا بمن فية الم تغرق عبارة بمن فيها يا مسلمو مصر خافوا من يوم تقولون فية للجبال انطرحي وغطينا ويا اكام اهبطي علينا من وجة الله العادل الجالس علي العرش واقول لاهلي الاقباط لا تخافوا ولا ترتاعوا نموت بالسرطان بالمرض بالحوادث لا يهم ولكننا سنموت رجالا وعلي اسم سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح نحيا ونموت اما اولاد الاثم والهلاك فهم للهلاك يدعون وليتمجد اسم الرب ولتكن اجسادنا ذبيحة حية لمجد اسمة للابد وكما قال موسي النبي العظيم (قفوا وانظروا خلاص الرب) يسوع قريب
الي اسرة الضحية والي كل قبطي فوق العالي عليا وفوق المتسلط متسلطا وفوق الكل واحد هو الله لقد تفرعن الارهابيين بسبب خوف الحكومة منهم بل وتعاونها معهم في الاهداف وترك الحبل علي الغارب لهم في اتفاقيات علي حساب الاقباط ولم يعرفوا ان عدل الله لا يهتز ليقرواء سفر اشعياء ماذا سيفعل الرب في كل فرعون وكل متفرعن قريبا سنراكم تبولوا امام صغيرات جيش دفاع اسرائيل وتبكوا وتتباكوا للمجتمع الدولي طالبين الرحمة والعفو والرضا وتتفرعنوا علينا نشكوكم لله الي كل مسلم في المنتدي هل تتوقعوا ان يكون راينا في الاسلام ايجابيا ؟؟ وانتم تقتلوا اهلنا وتحرقوهم نشكوكم انتم وما توءمنون بة لله الحقيقي العادل
-
رئيس الجمعيه الوطنيه القبطيه الامريكيه ا
.. أقام علاء وانتصار حفل عشاء عائلى فى أحد المطاعم العائمة بالزمالك بمناسبة زواجهما وبعد انتهاء الحفل اصطحبها إلى شقة خالها فى الحى الراقى حيث استقر رأيه على أنها أنسب مكان لعش الزوجية ، أنسب بكثير من شقته فى حى فيصل ومن الإقامة مع أمها التى صارت وحيدة بعد وفاة والد انتصار ودخلا الشقة فى صمت فتح الباب ودخل الى غرفة الجلوس أضاء النور وجلس ، وأغلقت انتصار باب الشقة ودخلت خلفه متألمة من تجاهله وازدرائه ولكن – ولدهشتها- شاعرة بنشوة لا تعرف لها وصفا تلك اللذة التى صارت تشعر بها فى كل شىء يحدث لها على يد علاء من إهانات وضرب وممارسة عنيفة فى الفراش .. تلك اللذة المريضة التى تدفعها دفعا إلى الاستحمام بماء ساخن لدرجة الغليان أحيانا .. كم أحبت وائل ولكنه كان وديعا لدرجة مقززة ، رقيقا إلى حد يصيبها بالغثيان ، لو أنه فقط كان قاسيا معها قليلا، لو أنه لم يحترمها بهذا الشكل، لو أنه قابلها قبل كل ما حدث لها..
- بتعملى ايه يا مدام؟ هستناكى الليل بطوله ولا ايه؟
انتزعها صوت علاء من خواطرها فخلعت حجابها وألقته على الأرض وهرولت إليه وهمت بخلع الفستان لولا أن أوقفتها نظراته المستهترة الباردة وهو يقول :
- أنا مليش نفس.. زى ما تقولى كده نفسى غامة عليا .. ثم وضع ساقا فوق الأخرى وسألها:
- عندنا ايه يتاكل؟ أصلى جعت والعشا مكانش أد كده فى الأوتيل
انهارت انتصار على أقرب مقعد وقد أصابها الاحباط وقالت بحذر:
- بس انت أكلت كويس هناك .. ده انت اكتر واحد أكل
- انت هاتعدى عليا الأكل يا روح امك.. قومى ومتورنيش خلقتك غير لما السفرة تكون جاهزة .. وقامت انتصار إلى المطبخ وراحت تعد الطعام وجاءها للمرة الألف نفس الخاطر أن تتناول سكينا حامية وتذبحه بها ذبحا لكنها تذكرت آخر مرة فعلتها وكيف انهار كرهها له أمام كرهها لنفسها فألقت السكين وانهارت تحت قدميه ليوسعها ضربا.. لطالما كرهت نفسها منذ طفولتها كان والدها غاضب عليها باستمرار لم يحدث أن أخطأ مرة واحدة وأخذها فى حضنه ، كان يوسعها ضربا لأتفه الأسباب وشبت كارهة لنفسها معتقدة أن كل ما تفعله بنية حسنة ينقلب عليها وعلى من حولها شرا ، لم تكن راضية عن نفسها كانت تقف بالساعات أمام المرآه وتفكر ماذا لو كانت أقصر قامة ؟ لماذا تكون بهذا الطول الذى يجعلها لا تجيد الاختفاء وان حاولت؟ ولماذا لم تكن بشرتها أفتح من ذلك ؟ حتى جسدها الفائر كانت تعتبر بروزاته عيوبا واستدارته عاهة.. وحده خالها كان يعطيها بعضا من الثقة وقليلا من الاحترام لذاتها .. لم تشعر يوما بالاشباع كانت فى داخلها جائعة ولا تدرى ما الذى يمكنه أن يشبعها ويطمئن خوفها المسعور الذى كان يأكلها من الداخل عما تلو الآخر دون أن ترى له مبررا منطقيا منذ صغرها كانت تعاقب نفسها بالامتناع عن الطعام وبالبكاء وعدم النوم الا انها صارت عنيفة مع نفسها بعد أن عرفت علاء وذاقت الأمرين على يديه وعلى يد عبد الجبار ذلك العسكرى المقزز المتوحش كالحيوانات.. كثيرا ما سالت انتصار نفسها هل يعقل ان يكون هناك بشر بهذا التوحش ؟ لم يكن لدى عبد الجبار كلمات بل لكمات لم تكن لديه مشاعر بل انفعلالات يفرغها فى جسدها وهى راضية ، كانت تبكى بين ذراعيه وبداخلها رضا لأنها تؤمن ان هذا هو ما تستحقه فهى لا تستحق حنانا ولا حبا ، كان داخلها هاجس يؤرقها أنها مثل عبد الجبار حيوانة لكن الله وضع الحيوان بداخلها فى قالب جميل من الأنوثة الفائرة . الشىء الوحيد الذى جعل انتصار تشعر فى مرحلة من مراحل عمرها بالاحترام كان عملها فى السياسة لكن المفارقة التى تضحكها أن عملها فى السياسة كان هو ما جر عليها كل هذه المآسى المروعة، وهو ما جعلها تكره مصر وتكره أهلها فقد اكتشفت من خلال قربها من المعارضة أن معارضة مصر أسوأ من حكومتها وأن المسأله لا تتعدى كونها حسابات مصالح فهناك من رأى مصلحته مع النظام وهناك من اكتشف أنه فى المعارضة يكسب أكثر وفى النهاية كانت هى وغيرها من المغفلين الذين صدقوا الشعارات الجوفاء ضحايا لهذه المهزلة السياسية. وخرجت انتصار بالطعام ووضعته أمام علاء الذى ابتسم قائلا فى مرح له بريق المعادن:
- ما تيجى نلعب لعبة جديدة .. نظرت له انتصار فى شغف وابتلعت ريقها فى صعوبة وقالت:
- أنا تحت أمرك
- أنا ارميلك الأكل على الأرض وانتى وطى وكليه من غير ما تستعملى ايدك خالص ولو استعملتى ايدك هاجلدك بالكرباج السودانى الجديد
وهزت انتصار رأسها بالموافقة فألقى لها بقطعة لحم بعد أن داس عليها بالحذاء وعندما همت انتصار بالتقاطها داس بحذائه على رأسها لتتأوه فى ألم يشعرها بالاشباع المهين وفى داخلها انحدرت دمعه ساخنة عندما تذكرت ما قاله لها وائل فى أحد لقاءاتهما عن أبطال المعارضة أيام العهد البائد- كما يسميه علاء- كان وائل يقول لها:
- يا حبيبة قلبى انتى بريئة ومش فاهمة الموقف فى أوساط المعارضة.. مش بس جوزك اللى بيعيش فى ازدواجية.. المعارضين كلهم كده اللى يتشهر منهم ويبقى بطل اعرفى انه أكثرهم استفادة من المبادىء وان المخلص الحقيقى بيضيع عارفة ليه يا حبيبتى؟ لأن فى مصر البطولة بأجر والاستشهاد مجانا.
استقل عماد سيارته الفارهة فى فخر وتوجه الى مقر محكمة الثورة التى تم اختياره فيها كقاضى للحكم فيما يسميه الرأى العام بقضايا التصفية أى تصفية أذناب العهد البائد والنظام الفاسد.. وقد خرج عماد من منزله وقد عقد العزم على أن يصفيهم واحدا واحدا فهى فرصة عمره لكى يصبح بطلا قوميا كما كان يحلم فى مراهقته ، ذلك الحلم الذى نسيه مع عمله فى النيابة وزواجه بامرأة تفتقر إلى الأنوثة، كل مقوماتها أنها ابنة مستشار كبير ومسنود مع الوقت بدأ يشعر أنه صار بطلا بحق مع الثروة والنفوذ.. ورغم شعوره بالحنين للحلم القديم إلا أن عقله كان يفيقه فى اللحظة الأخيرة كى لا يضيع كل ما كسبه وصل اليه ، وبمجرد وصوله الى المحكمة جلس مزهزا بنفسه شاعرا بالعظمة والارتواء وكاميرات التلفزة موجهه اليه وهو يحاكم ابن الرئيس السابق وعصبته وبالطبع جاءت الاحكام ما بين اعدام ونفى ومصادرة أموال.. وكتب بيتر فى مذكراته عن أحكام محكمة الثورة: كانت أحكاما باردة مزيفه رغم حدتها الظاهرة ..أحكام لم تأت من غضب حقيقى بل جاءت من نفوس أمارة بالسوء كل ما كانت تسعى إليه هو مزيد من الشهرة والفرقعة الاعلامية . كانت الجلسه التى يرأسها مستشار اخوانى تصدر الأحكام جزافا على كل علمانى أو يسارى وان كان متدينا فى حياته الخاصة وكانت الجلسه التى يرأسها مستشار من محكمة أمن الدولة فى العهد البائد تسفك دم أى شخص كان له علاقة ولو سطحية بالحزب الوطنى أو بالحكومة المخلوعه وكأنهم يطهرون أنفسهم بدماء الآخرين من تهمة الدياثة السياسية فى العهد الماضى، وفى كل جلسه كان هناك مندوبان من الجيش أو بعض قطاعات الشرطة يسجنان رئيس الجلسه بينهما وكأنهما ناكر ونكير، كانت احكام الثورة حق يراد به باطل وخير أتى على يد رجال امتهنوا الشر عقودا طويلة من الظلم والظلام.. ليت كل رجال الثورة كانوا مثل ناجى ذلك الضابط الوسيم الجرىء الذى يتمتع بقدر كبير من الصدق والمحبة للوطن، كان ناجى مسلما مخلصا ومصريا صادقا لكنه ذهب بلا رجعه فمثله لا يعيشون فى وطن صار مرتعا للذئاب ولكن أنى له أن يستمر فى ثورة اقتسمها الجيش والأخوان فقسموا ظهرها وقلبوا حقها باطلا ثم انقسم الاخوان واقاموا محكمة القيم .. أول محكمة لا تنعقد لها جلسات ولا يدافع فيها المتهم عن نفسه والحكم فيها ينفذ فوريا وبلا تريث.. حتى غرقت مصر فى بحور الدم من جديد بعد هدوء نسبى لم يدم شهورا قليلة.. كتب بيتر هذه السطور قبل أيام من مطاردة نفس المحكمة له بدعوى أنه من المبشرين وعملاء الاستعمار الكافر وانه جاسوس للولايات المتحدة الأمريكية ولدولة اسرائيل وبالطبع لم يفت الامام الاكبر للجماعة وهيئة العلماء أن يهدروا دمه، وبعد أن وجد بيتر ان استمراره فى الدير صار خطرا عليه بعد أن صارت الجوامع والأديرة ساحات للحرب الأهلية ولتصفية العناصر المارقة من أتباع الديانتين على حد سواء ، وبعد أن صدر له كتاب عن عظماء الاسلام وذلك بعد ان دعته الفتنة الى دراسة الدين الاسلامى داسة وافيه جعلته يتحول من احتقار الاسلام الى احترام تعاليمه وجعلته يفرق تماما بين من يراهم من المسلمين فى الشوارع يقتتلون على اهون سبب ويكفرون الآخرين وبين الاسلام وهو ما كان كفيلا بإهدار دمه من قبل بعض رجال الكنيسة وتهميشه من قبل جماعات أقباط المهجر فلم يجد لنفسه ملجأ إلا عند وائل الذى تحول منزله الفاخر الى ملجأ للمطاردين والمغضوب عليهم من بيتر المصرى الامريكى إلى النمنم اللص البسيط الذى صار وطنيا بالصدفة.. إلى عبد الجبار ذلك العسكرى الذى بطش بهم فى المعتقل قبل ذلك وصار كسيرا ذليلا لا حول له ولا قوة . فى هذا البيت قضى بيتر أسعد وأغلى أيام عمره ، فى هذا البيت صار بيتر مصريا مصريا بعد أن تخلص من رواسب التفوق الأمريكى ونزعة التكبر والفخر التى كانت تملأه عندما يناديه الناس: يا خواجه ولأول مرة يأكل بيتر الفول المدمس والكشرى ولأول مرة أيضا يبكى من اجل مصر وعلى حالها فقد صار يحبها كوطن بعد أن كان يحبها كبلد سياحى يقضى بها اجازاته ويفتخر أمام الأمريكان بأنه حفيد تلك الحضارة العظيمة ثم يعود فينكر صلته بمصر المعاصرة أمامهم. أصبح بيتر ينزعج لو أخطأ النمنم وناداه بكلمة خواجه ويضحك من قلبه عندما يمسك عبد الجبار بالنمنم ويوسعه ضربا على قفاه عندما يسرق الأخير الخبز من تحت مخدته. كم تمنى لو أن تلك الأيام تدوم وتزول الغمة عن مصر ، كم مرة حسد فيها وائل وهو يحكى عن طفولته فى رمضان وعن الفوانيس والكنافة وألف ليلة وليلة والفوازير، حتى النمنم اكتشف بيتر انه قضى أوقاتا سعيدة وساحرة فوق سطوح بيتهم فى الدويقة وعند أصدقائه فى الحسين والسيدة عيشة وعن حفلات شعبان عبد الرحيم وأغانى شفيقة التى كان يحب عليها توحة بنت الجيران التى ماتت محروقة بعد انفحر فى وجهها وابور الجاز.. وجد بيتر نفسه واكتشف انه كان يحيا حياة شخص غيره لا حياة تليق بمواطن مصرى ..ولكن للأسف كان يشعر وكأنه ولد تائه تعرف على أمه بعد موتها فما الذى سيفعله الآن وقد صارت شوارع مصر ملتهبة وقاسية وفى داخله شعر بالندم لأنه لم يأكل ترمس على شاطىء النيل ولا تذوق القطائف فى رمضان ولا واظب على حضور الكنيسة كل أحد حتى عندما اختبأ فى أحد الاديرة لم يقرب الصلاة ولم يشعل شمعه واحدة.
أما عبد الجبار فقد كان نادما على شىء واحد فقط ..أنه لم يستجب لعلاء بيه. كان دائما يؤنب نفسه على غبائه الذى ضيع منه كل شىء فى لحظة غباء وعند لقد عاش عمره كله لا يقول سوى نعم وحاضر وأوامر سعادتك ، وعندما قال لا للمرة الوحيدة فى حياته خسر كل شىء. صحيح أن وائل كان يعامله معاملة حسنة وأن النمنم وبيتر تقبلوه وعاملوه بلطف لم يشاهده فى حياته من قبل إلا أن كل هذا لم يكن يرضيه. كان شبح الخوف يحوم فوق رأسه وهو يتخيل فرقة من الجيش أو مجموعه من الآمرين بالمعروف يقتحمون بيت وائل ويعدمونهم جميعا بلا رحمة .. كان متيقنا فى داخله ان ذلك سيحدث ان آجلا أو عاجلا وهو لم يكن يريد الموت بل كان الانتقام هو الشىء الوحيد الذى يتحكم فيه، رغبة شديدة فى الانتقام من أى شخص وبأى وسيلة كان وائل فى نظره رجل ثرى لا يدرى أين ينفق نقوده أما بيتر فهو خواجه يعانى من فراغ قاتل يريد ملأه بالأحداث الدامية والنمنم مجرد شخص حقير كأهل قريته الذين أدمنوا العيش فى القذارة كالخنازير، يقبلون بالفتات ويضحكون على خيبتهم. لقد سقطت من عبد الجبار أشياء كثيرة فى رحلته لكن شيئا واحدا ظل ملازما له كظله يجرى فى عروقه الصعيدية .. الثأر ، ذلك الحلم الذى يؤرقه ليلا ويعذبه نهارا لدرجة أنه كلما رأى الشوارع تفيض دما وتشتعل عنفا كان يشعر بالارتواء ولذلك لم يتوقف عن ضرب النمنم حتى بعد أن صارا يتشاركان الفراش واللقمة ولم يحب بيتر رغم معاملته الحسنة ووجهه البشوش ولا شعر أنه يمكن أن ياتى عليه اليوم الذى يخدم فيه وائل كما كان يخدم علاء بك ولذا لم يتحمل عبد الجبار البقاء فى بيت وائل أكثر من ذلك، وذات صباح استيقظوا ولم يجدوه بينهم، الغريب أنهم حزنوا لفراقه فالنمنم بكى كث
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ